تفكيك

ثمانية تريليونات دولار تبحث عن (العقل)..
حين يصبح الذكاء الاصطناعي أكبر مقترض جديد في العالم

لندن - سدن
30 سبتمبر 2026
ثمانية تريليونات دولار تبحث عن (العقل)..
حين يصبح الذكاء الاصطناعي أكبر مقترض جديد في العالم

لندن - سدن

لم تعد قصة الذكاء الاصطناعي في الأسواق قصة أسهم شركات التكنولوجيا وحدها، ولم يعد السؤال مقتصراً على مقدار ما تستطيع (إنفيديا) أو (مايكروسوفت) أو (غوغل) أن تربحه من الموجة الجديدة، لأن الصناعة بدأت تنتقل إلى مرحلة مختلفة تماماً، تحتاج فيها إلى كميات من رأس المال لا تشبه اقتصاد البرمجيات القديم، بل تقترب من عالم الطاقة والسكك الحديدية والصناعات الثقيلة، من مراكز بيانات عملاقة، ومحطات كهرباء، وشبكات نقل، ومئات آلاف الرقائق، وأراضٍ ومياه وأنظمة تبريد، وعقود تمتد سنوات، ولهذا بدأت الديون التي تمول هذا البناء تتراكم داخل أسواق الائتمان العالمية بسرعة لافتة.

واليوم، حذرت مجموعة الاستثمار العالمية (KKR) من أن الاقتراض المرتبط بالذكاء الاصطناعي، قد يتحول إلى مصدر تقلب مهم في سوق السندات، فيما تشير تقديراتها، إلى أن الاستثمارات المطلوبة حتى نهاية العقد تقترب من ثمانية تريليونات دولار، وأن ما يصل إلى خمس مؤشر سندات الشركات ذات الدرجة الاستثمارية يمكن أن يصبح مرتبطاً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بهذا الرهان التكنولوجي.

والمفارقة أن المستثمر الذي كان يشتري سندات شركة تكنولوجيا قبل عقد، كان يشتري عادة دين شركة ذات ميزانية قوية وأصول مادية قليلة وهوامش مرتفعة، أما الآن فإنه يمول مصانع رقمية تستهلك كهرباء تعادل أحياناً مدينة كاملة، أي أن وادي السيليكون يتغير مالياً بقدر تغيره تقنياً.

وتقدر KKR أن نحو 600 مليار دولار من الديون الأميركية ذات الدرجة الاستثمارية باتت مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بينما تشير بيانات أخرى إلى أن الاقتراض العالمي المرتبط بالموجة الجديدة يتسارع بصورة غير مسبوقة، وهذا لا يعني أن الصناعة أمام أزمة، لكنه يعني أن المخاطر التي كانت مركزة سابقاً في أسهم التكنولوجيا بدأت تنتقل إلى المحافظ التي يشتريها المستثمر تحديداً بحثاً عن الاستقرار.

ويزداد التعقيد لأن جانباً من التمويل لا يظهر ببساطة في ميزانية الشركة التقنية، فهناك شركات متخصصة تبني مراكز البيانات، وصناديق وبنى تمويلية مستقلة، وعقود شراء طويلة الأجل، وشركات طاقة وموردو معدات، ولذلك يستطيع المستثمر أن يعتقد أنه نوع محفظته بين التكنولوجيا والعقارات والبنية التحتية والائتمان، بينما تكون أجزاء متعددة منها مرتبطة في النهاية بالفرضية الاقتصادية نفسها، حيث أن الطلب على الذكاء الاصطناعي سيواصل النمو بسرعة تكفي لدفع كلفة هذه البنية.

ولهذا فإن القلق الحقيقي ليس أن (فقاعة الذكاء الاصطناعي ستنفجر) غداً، وهي عبارة سهلة لا تدعمها البيانات وحدها، بل أن الأسواق بدأت تبني سلسلة طويلة من الالتزامات، قبل أن نعرف بصورة نهائية مقدار الإيرادات والإنتاجية التي ستولدها هذه الاستثمارات، فإذا ارتفعت إنتاجية الشركات بالفعل ووجدت النماذج استخدامات مربحة على نطاق واسع، فإن البنية التي تبنى الآن قد تبدو بعد عشر سنوات استثماراً مبكراً في أهم تحول اقتصادي منذ الإنترنت، أما إذا كان العائد أقل مما تتوقعه السوق، فلن تتضرر أسهم الشركات وحدها، بل ستعاد تسعير السندات والقروض والأصول المرتبطة بها.

 

وقد دخل (بنك إنكلترا) على الخط في اليوم نفسه، محذراً من أن مخاطر الذكاء الاصطناعي والديون أصبحت أكثر قدرة على التحول من احتمالات نظرية إلى ضغوط مالية فعلية، فيما أشار إلى أن الدين العالمي المرتبط بالذكاء الاصطناعي تضاعف تقريباً مقارنة بعام 2025، بالتزامن مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية وضغوط الطاقة.

والأهم أن البنك ربط بين قصتين تبدوان منفصلتين، حول ما إذا فشل الذكاء الاصطناعي في تقديم الزيادة المتوقعة في الإنتاجية والنمو، فقد يعيد المستثمرون تقييم أصول التكنولوجيا، وفي الوقت نفسه توقعاتهم للنمو الحكومي والقدرة على خدمة الديون، أي أن خيبة أمل تقنية يمكن أن تتحول إلى حدث مالي أوسع.

وهنا يعود الاقتصاد إلى قاعدة قديمة، حيث الاستثمار الكبير ليس مشكلة إذا كان الأصل الذي يبنى يولد دخلاً أكبر منه، فالسكك الحديدية احتاجت إلى ديون هائلة، وكذلك شبكات الكهرباء والاتصالات والإنترنت، وبعض المستثمرين خسروا ثرواتهم خلال بناء تلك الشبكات، لكن المجتمعات ورثت بنية أصبحت أساساً لنمو لاحق.

وقد يحدث الأمر نفسه في الذكاء الاصطناعي، فليس ضرورياً أن تنجح كل شركة أو كل مركز بيانات كي يكون التحول نفسه حقيقياً، كما أن إفلاس شركة سكك حديدية في القرن التاسع عشر لم يجعل القطار فكرة فاشلة، لكن الاختلاف اليوم أن سرعة البناء مذهلة، والأسواق المالية أكثر ترابطاً، والشركات الكبرى تمول بعضها بعضاً بصورة تجعل الحدود بين المورد والعميل والمستثمر أقل وضوحاً، فشركة الرقائق قد تستثمر في شركة تحتاج إلى رقائقها، ومزود السحابة يمول شركة نماذج ستشتري منه الحوسبة، ومشغل مركز البيانات يحصل على عقد طويل من شركة تكنولوجيا كي يقترض على أساسه، فتظهر دائرة اقتصادية يمكن أن تكون فعالة جداً إذا نما الطلب، لكنها تصبح أكثر حساسية إذا تباطأ.

ومن هنا فإن رقم الثمانية تريليونات لا ينبغي قراءته كفاتورة مؤكدة ولا كدليل على انهيار مقبل، بل كمقياس لحجم التحول الذي يحدث تحت سطح تطبيقات المحادثة التي يراها المستخدم، فالذكاء الاصطناعي الذي يبدو على الهاتف برنامجاً بلا وزن يحتاج في الحقيقة إلى واحدة من أضخم موجات البناء المادي في العصر الحديث، وحين تحتاج البرمجيات إلى هذا المقدار من الإسمنت والنحاس والكهرباء والديون، فإنها تتوقف عن كون قطاعاً تقنياً منعزلاً وتصبح جزءاً من النظام المالي نفسه.

ولهذا ستصبح السنوات المقبلة اختباراً لا لمدى ذكاء النماذج وحده، بل لمدى ذكاء التمويل الذي يبنيها، فإذا وزعت المخاطر بصورة صحيحة وربطت الديون بعقود وإيرادات واقعية، فقد تكون سوق الائتمان قد مولت البنية الأساسية للاقتصاد المقبل، أما إذا افترض الجميع أن الطلب سيصعد إلى الأبد لأن الجميع الآخر يفترض الشيء نفسه، فسيكون الذكاء الاصطناعي قد أعاد إلى القرن الحادي والعشرين واحداً من أقدم دروس الأسواق، حيث التكنولوجيا قد تكون ثورية تماماً، ومع ذلك يستطيع المستثمر أن يدفع ثمناً أعلى مما ينبغي لبنائها.

شارك المقال f 𝕏 in