لندن - سدن
ليس تعيين رجل دين يبلغ 63 عاماً قائداً لقوات الباسيج الإيرانية خبراً إدارياً عادياً، خصوصاً عندما يكون الرجل هو حسين طائب، أحد أقدم رجال الأمن والاستخبارات في الجمهورية الإسلامية، والصديق القديم للمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي.
التقرير الموسع الذي نشرته صحيفة (ذا تايمز) البريطانية، وأعدته الصحفية الإيرانية فاطمة جمال بور، يذهب أبعد من قرار التعيين نفسه، ويقرأ عودة طائب بوصفها مؤشراً إلى طبيعة النظام الذي يتشكل حول مجتبى خامنئي، وإلى الطريقة التي تنظر بها القيادة الجديدة في طهران إلى الحرب في الخارج والاضطراب في الداخل باعتبارهما جبهتين لمواجهة أمنية واحدة.
واللافت أن العودة لا تأتي في فراغ. ففي الأيام الأخيرة أعادت القيادة الإيرانية عدداً من رجال الحرس الثوري المخضرمين إلى المواقع الأكثر حساسية، بينهم محسن رضائي في المجلس الأعلى للأمن القومي، فيما تولى أحمد وحيدي قيادة الحرس الثوري. وتوحي التعيينات مجتمعة بأن طهران تعيد بناء هرمها الأمني حول رجال خبروا الحرب والقمع والعمل الاستخباري، لا حول شخصيات مرتبطة بمسار انفتاح سياسي.
من هو حسين طائب؟
ينتمي طائب إلى الجيل الذي صعد من الحرب العراقية – الإيرانية إلى قلب مؤسسات الجمهورية الإسلامية.
بدأ حياته في طهران باسم حسن، وبحسب التقرير تبنى لاحقاً اسم شقيقه حسين الذي قتل خلال الحرب. درس في الحوزات الدينية في قم وطهران ومشهد، والتحق بالحرس الثوري عام 1982، قبل انتقاله إلى وزارة الاستخبارات حيث عمل في مجال مكافحة التجسس خلال تسعينيات القرن الماضي.
لكن أهميته السياسية لا تأتي فقط من المناصب التي شغلها، وإنما من علاقته القديمة بمجتبى خامنئي.
فالرجلان خدما خلال الحرب في كتيبة «حبيب» التابعة للحرس الثوري، وهي تجربة أنتجت شبكة من العلاقات استمرت لعقود، وصعد أفرادها لاحقاً داخل المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية الإيرانية. ويضع التقرير رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ضمن دائرة العلاقات القديمة نفسها.
وهنا تبدأ أهمية عودة طائب.
فهو ليس تكنوقراطياً أمنياً استدعته الدولة في لحظة أزمة، وإنما أحد رجال الدائرة القديمة المحيطة بالمرشد الجديد.
الرجل الذي يعرف (الهراوة)
بعد خروجه من وزارة الاستخبارات عاد طائب إلى الحرس الثوري، ثم أصبح نائباً لقائد الباسيج عام 2007، وتولى قيادة القوة في العام التالي.
وجاء الاختبار الأكبر في انتخابات 2009.
بعد إعلان فوز محمود أحمدي نجاد بولاية ثانية، خرج ملايين الإيرانيين في احتجاجات «الحركة الخضراء»، وكان الباسيج إحدى الأدوات الرئيسية المستخدمة في قمع التظاهرات.
وارتبط اسم طائب منذ تلك المرحلة بصورة رجل الأمن الذي يفضل القبضة على السياسة.
حتى علي مطهري، النائب المحافظ آنذاك، انتقد إسناد إدارة الأزمة إلى شخصيات مثل طائب، معتبراً أنها أكثر معرفة باستخدام العصا منها بالفكر والعقل والحكمة.
وفي عام 2010 فرضت الولايات المتحدة عقوبات على طائب على خلفية دور القوات الخاضعة لقيادته في قمع المحتجين، ثم فرض الاتحاد الأوروبي عليه عقوبات في العام التالي.
وبعد أحداث 2009، تحولت استخبارات الحرس الثوري إلى منظمة مستقلة، وأصبح طائب أول رئيس لها.
ومن هناك بدأ الفصل الأطول والأكثر أهمية في مسيرته.
13 عاماً في استخبارات الحرس
على مدى 13 عاماً، توسعت منظمة استخبارات الحرس الثوري تحت قيادة طائب حتى أصبحت في ملفات كثيرة منافساً لوزارة الاستخبارات الإيرانية نفسها.
اعتقلت ناشطين سياسيين وصحفيين وبيئيين ومزدوجي الجنسية، واعتمدت بصورة واسعة على تهم التجسس و«الاختراق الأجنبي».
لكن المفارقة التي يلفت إليها تقرير «ذا تايمز» هي أن الرجل الذي بنى سمعته على مكافحة الاختراق انتهت سنواته الأخيرة في المنصب وسط واحدة من أكثر المراحل إحراجاً للأمن الإيراني.
فخلال تلك الفترة نجحت إسرائيل في تنفيذ عمليات داخل إيران شملت الاستيلاء على الأرشيف النووي من مستودع في طهران، واغتيال العالم النووي محسن فخري زاده، إلى جانب عمليات استهدفت شخصيات ومنشآت عسكرية ونووية.
وهكذا بدا الجهاز الذي كان شديد الفاعلية في مراقبة الإيرانيين أقل نجاحاً في منع خصوم إيران الخارجيين من الوصول إلى أهداف شديدة الحساسية داخل البلاد.
وفي 23 يونيو/حزيران 2022، أقيل طائب من رئاسة استخبارات الحرس.
هل حاول علي خامنئي إبعاد طائب وابنه؟
هذه واحدة من أكثر النقاط إثارة في تقرير الصحيفة البريطانية.
ينقل التقرير عن محلل سياسي في طهران، تحدث من دون الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، أن إبعاد طائب كان جزءاً من محاولة قام بها المرشد الراحل علي خامنئي لتقليص نفوذ نجله مجتبى والدائرة الأمنية المحيطة به.
ويذهب المصدر إلى استنتاج أبعد، مفاده أنه لو بقي علي خامنئي حياً وتوفي لاحقاً بصورة طبيعية، فإن فرص وصول مجتبى إلى موقع المرشد لم تكن لتكون كما أصبحت بعد الحرب.
بل إن التقرير ينقل عن المصدر أن بعض المسؤولين الإيرانيين وصفوا، في أحاديث خاصة، عملية الخلافة بأنها أشبه بـ«انقلاب» أو عملية داخلية أوصلت مجتبى إلى القيادة.
ومع ذلك، فإن المؤكد أن عودة طائب اليوم تعني أن رجلاً أُبعد عام 2022 عاد بعد وصول صديقه القديم مجتبى خامنئي إلى قمة النظام. وهذه وحدها إشارة سياسية يصعب تجاهلها.
لماذا الباسيج تحديداً؟
لفهم معنى القرار، ينبغي أولاً فهم ماهية الباسيج. فالقوة ليست مجرد تشكيل عسكري تابع للحرس الثوري، بل شبكة اجتماعية وأمنية هائلة تمتد داخل الأحياء والجامعات والمصانع والوزارات والمساجد وأماكن العمل.
وتقول القوة إنها تستطيع تعبئة نحو 600 ألف متطوع لمصلحة النظام. ويحصل بعض أعضائها على امتيازات تتعلق بالدراسة الجامعية والتوظيف الحكومي والترقية، فيما يستخدم أفرادها في المسيرات والفعاليات الدينية والتعبئة السياسية.
لكن الوجه الآخر للباسيج يظهر عندما تندلع الاحتجاجات.. عندها يمكن تسليح عناصره ونشرهم في الشوارع، وقد لعبت القوة أدواراً أساسية في قمع موجات متعاقبة من الاحتجاج الإيراني.
ولهذا يقول أميد ميماريان، الباحث الإيراني في مركز «DAWN» بواشنطن، إن أهمية تعيين طائب تكمن في أنه في الأصل رجل أمن واستخبارات.
وبمعنى آخر، يمكن أن يؤدي وضعه على رأس الباسيج إلى دمج ثلاث وظائف في جهاز واحد بصورة أكبر: جمع المعلومات، والمراقبة، والتعبئة الميدانية في الشارع.
وهذه ربما أهم دلالة عملية في القرار.
فمرسوم تعيين طائب لم يقتصر على مطالبته بتقوية الباسيج، وإنما تضمن تعزيز «شبكة الاستخبارات الشعبية» وتطوير التدريب والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في مواجهة التهديدات.
أي أن القيادة الجديدة لا تريد فقط المزيد من عناصر الباسيج، بل تريد باسيجاً أكثر استخباراتية.
استعداد لحرب خارجية واضطرابات داخلية؟
المحلل الذي تحدث إلى «ذا تايمز» يعتقد أن الجمهورية الإسلامية ربما تستعد لسلسلة جديدة من المواجهات يمكن أن تنعكس مباشرة على الشارع الإيراني.
وبحسب قراءته، قد تبدأ موجة اعتقالات واسعة داخل المجتمع بالتزامن مع تشكل جولة أخرى من الحرب.
أما فرزين نديمي، الباحث المتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية الإيرانية في معهد واشنطن، فيرى أن الاعتماد الكبير على المحاربين القدامى والمتشددين بعد خسارة عدد كبير من القيادات، بالتزامن مع التركيز على التعبئة الداخلية والإصلاحات الهيكلية العاجلة، يكشف قلقاً إيرانياً من نقاط الضعف على الجبهتين الخارجية والداخلية.
وتتقاطع هذه القراءة مع التغييرات الأخيرة في القيادة العسكرية الإيرانية، والتي تشير إلى محاولة إعادة مركزية القرار والاستعداد لمواجهة طويلة، وليس فقط إدارة أزمة عابرة.
والخلاصة التي يقدمها ميماريان شديدة الوضوح: النظام يستعد لجبهتين في الوقت نفسه؛ مواجهة جديدة في الخارج واحتمال اضطرابات في الداخل.
وبهذا المعنى، يصبح تعيين طائب علامة قلق أكثر منه استعراض ثقة.
دائرة (المهدوية)
يخصص تقرير «ذا تايمز» مساحة لواحدة من أكثر القضايا حساسية، وهي البعد العقائدي لدى بعض الشخصيات المحيطة بالقيادة الإيرانية الجديدة.
ويربط المصدر الإيراني طائب بدائرة تتبنى تفسيراً سياسياً شديداً لفكرة «المهدوية»، أي الاعتقاد الشيعي بظهور الإمام الثاني عشر.
وبحسب المصدر، فإن هذا التيار لا ينظر إلى الجمهورية الإسلامية باعتبارها دولة وظيفتها الأساسية حماية مواطنيها وتحسين مستوى حياتهم فحسب، وإنما أداة لبناء حضارة إسلامية وتوسيع ولاية رجال الدين وتهيئة المجتمع لظهور المهدي.
وإذا تبنت القيادة هذا التصور، تصبح المحافظة على النظام ومشروعه العقائدي أعلى مرتبة من احتياجات السكان اليومية، فيما يتحول الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب من خلاف سياسي قابل للتفاوض إلى جزء من مواجهة تاريخية بين «جبهة الحق» و«جبهة الباطل».
ويورد المصدر ادعاء بالغ التطرف مفاده أن أصحاب القراءة الأكثر تشدداً يمكن أن يقبلوا حتى بتضحيات بشرية هائلة من الإيرانيين خدمة لهذه «المهمة».
لكن الصحيفة نفسها تؤكد أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من هذا الادعاء، ولا من إثبات أن حسين طائب شخصياً يتبنى هذه الصيغة المتطرفة.
وهذا التحفظ مهم للغاية.
أما ما يمكن إثباته بدرجة أكبر، وفق التقرير، فهو أن شقيق طائب، مهدي طائب، تحدث علناً عن الجمهورية الإسلامية بوصفها مقدمة لحكومة الإمام الثاني عشر، وربط تحركات إيران الإقليمية بعملية التمهيد لظهوره.
عودة الحرس القديم
طائب ليس وحده... إيران أعادت أيضاً محسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري وأحد أبرز أبناء جيل الحرب العراقية – الإيرانية، إلى مركز القرار الأمني بتعيينه أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي.
وفي الوقت نفسه، أُعيد ترتيب القيادة العسكرية، مع صعود شخصيات مخضرمة مثل أحمد وحيدي وعلي عبد اللهي وغيرهما إلى مواقع رئيسية.
وهنا تتضح الصورة.
مجتبى خامنئي لا يبني، حتى الآن، نظامه حول جيل جديد من الإصلاحيين أو التكنوقراط، بل يستدعي رجالاً تشكل وعيهم السياسي والعسكري في الحرب العراقية – الإيرانية، ثم أمضوا العقود التالية داخل الحرس والمؤسسات الأمنية.
إنها عودة إلى جيل الثورة والحرب والاستخبارات لإدارة دولة تواجه حرباً وضغوطاً خارجية وقلقاً داخلياً في آن واحد.
مفارقة ترامب
تكتسب هذه التعيينات أهمية إضافية في ضوء تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتكررة عن أن القيادة الإيرانية الجديدة أكثر عقلانية من سابقتها.
فما يجري داخل مؤسسات القوة الإيرانية لا يقدم، حتى الآن، أدلة واضحة على انتقال نحو الاعتدال.
بل إن صحيفة «وول ستريت جورنال» قرأت هي الأخرى إعادة تشكيل القيادة الأمنية باعتبارها إشارة إلى توجه أكثر تشدداً في مواجهة مطالب واشنطن، فيما رأت «لوموند» أن مجتبى خامنئي يعد الأجهزة العسكرية والأمنية لمواجهة طويلة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وهنا تصبح عودة حسين طائب أكثر من مجرد تعيين.
فالرجل الذي أمضى سنوات في مكافحة المعارضة الداخلية أصبح مسؤولاً عن أكبر شبكة تعبئة شعبية وأمنية يمتلكها النظام.
والرجل الذي خرج من استخبارات الحرس بعد سلسلة اختراقات إسرائيلية عاد إلى مركز القرار بعد حرب أظهرت مجدداً حجم هشاشة المنظومة الأمنية الإيرانية.
والصديق الذي قيل إن علي خامنئي حاول إبعاده عن دائرة النفوذ عاد بعدما أصبح صديقه القديم مجتبى خامنئي هو المرشد الأعلى.
ماذا يريد مجتبى من طائب؟
يمكن قراءة المهمة الجديدة لطائب في ثلاثة مستويات.
الأول أمني داخلي: إعادة بناء شبكة مراقبة واسعة قادرة على اكتشاف أي حركة احتجاجية في مراحلها الأولى، وربط المعلومات المحلية مباشرة بأجهزة الحرس.
الثاني سياسي: إحكام سيطرة القيادة الجديدة على مؤسسة تمتلك وجوداً في الجامعات والوزارات والمصانع والمساجد والأحياء، بما يجعل الباسيج ليس مجرد قوة لقمع الاحتجاج وإنما شبكة نفوذ اجتماعية وسياسية.
أما الثالث فهو عسكري – تعبوي: الاستعداد لاحتمال أن تؤدي مواجهة جديدة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل إلى اضطرابات اقتصادية واجتماعية تحتاج معها الدولة إلى تعبئة السكان الموالين لها وضبط الشارع في الوقت نفسه.
ولهذا فإن الحدود بين الأمن الداخلي والحرب الخارجية تكاد تختفي في التفكير الأمني الإيراني الجديد.
والأمر لا يقتصر على التحليل الغربي. فقد ظهر طائب بعد تعيينه ليتحدث بنفسه عن الصراع الخارجي، معلناً أن مضيق هرمز يقع تحت «سيطرة وإدارة» إيران، في ذروة المواجهة السياسية والعسكرية مع واشنطن.
إيران لا تستعد للهدوء
تكمن أهمية تقرير «ذا تايمز» في أنه لا يحاول قراءة حسين طائب باعتباره شخصاً فقط، وإنما باعتباره نافذة على عقل النظام الإيراني الجديد.
فعندما تختار دولة تواجه تهديداً خارجياً واضطراباً داخلياً رئيساً سابقاً لجهاز استخبارات الحرس لقيادة مؤسسة شعبية مسلحة تنتشر في الجامعات والأحياء والوزارات والمصانع والمساجد، فإنها تكشف شيئاً عن نوع الخطر الذي تتوقعه والطريقة التي تريد مواجهته بها.
مجتبى خامنئي يبدو، في خطواته الأولى، أقل اهتماماً بتقديم وجه جديد للجمهورية الإسلامية، وأكثر اهتماماً بإعادة جمع رجال الثقة حوله.
وطائب هو النموذج الأوضح.. صديق من أيام الحرب، رجل استخبارات، قائد سابق للباسيج، اسم ارتبط بقمع احتجاجات 2009، وشخصية تعرف بنية الحرس ومؤسساته وشبكاته الاجتماعية والأمنية.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا عاد حسين طائب، وإنما: لماذا احتاج إليه النظام الآن؟
الجواب الذي يقدمه تقرير «ذا تايمز»، وتدعمه طبيعة التعيينات الأمنية الأخيرة، هو أن طهران لا تتصرف كدولة تعتقد أن الحرب انتهت.
إنها تعيد ترتيب بيتها استعداداً لما قد يأتي بعدها.
والأخطر أن القيادة الجديدة تبدو وكأنها تنظر إلى الصاروخ الذي يواجه الخصم في الخارج، والكاميرا التي تراقب المواطن في الداخل، باعتبارهما أداتين في معركة واحدة.
ومن هنا تصبح عودة حسين طائب رسالة تتجاوز شخصه بكثير: إيران مجتبى خامنئي تستعد لاحتمال حرب جديدة في الخارج، وفي الوقت نفسه تحصن النظام من الشارع في الداخل.