قد تبدأ المشكلة بدرجة حرارة مرتفعة في غرفة النوم، لكنها لا تبقى هناك طويلاً.
نوم متقطع.. جسدان لا يحتمل أحدهما حرارة الآخر.. مزاج متوتر في الصباح.. تراجع في الرغبة.. ثم مسافة عاطفية صغيرة تبدأ داخل السرير قبل أن تظهر في الحديث اليومي وطريقة التعامل بين الشريكين.
بهذه المشكلة توجه زوجان إلى الدكتورة سوزي غودسون، كاتبة عمود العلاقات والجنس في صحيفة «ذا تايمز» البريطانية، بعدما لاحظا أن موجات الحر التي ضربت بريطانيا هذا الصيف لم تؤثر فقط في نومهما، وإنما بدأت تترك أثراً واضحاً في علاقتهما.
السؤال كان بسيطاً في ظاهره: لقد أفسد الحر حياتنا الحميمة، فماذا نفعل؟
لكن إجابة غودسون تفتح موضوعاً أكبر: العلاقة غير المرئية بين حرارة غرفة النوم، وجودة النوم، والمزاج، والرغبة الجنسية، وحتى درجة التقارب العاطفي بين شخصين.
المشكلة قد تبدأ من النوم لا من الجنس
الفكرة الأساسية التي تنطلق منها غودسون هي أن الأزواج الذين يلاحظون تراجعاً في حياتهم الحميمة خلال موجات الحر قد يعتقدون أن لديهم مشكلة في الرغبة، بينما تكون المشكلة الأصلية أبسط بكثير: إنهم لا ينامون جيداً.
فالحرارة تؤثر بقوة في جودة النوم، وعندما يتراجع النوم تتأثر العلاقة الحميمة بدورها.
ومن الطبيعي أن يصبح التقارب الجسدي أقل جاذبية عندما يحاول كل شخص أصلاً التخلص من حرارة جسده، فيما يضيف وجود جسد آخر بجانبه المزيد من الدفء والتعرق وعدم الراحة.
وهنا تضع غودسون ترتيباً مهماً للأولويات: الجنس مهم للعلاقة، لكن النوم حاجة بيولوجية أكثر إلحاحاً.
وعندما يصل الحرمان من النوم إلى مرحلة يتحول فيها إلى عصبية وانفعال بين الزوجين، فإن الخطوة الأولى لإصلاح العلاقة ليست محاولة فرض المزيد من العلاقة الحميمة، وإنما إصلاح النوم أولاً.
ماذا يحدث للجسم عندما ننام؟
يحافظ الجسم البشري في الظروف الطبيعية على درجة حرارة داخلية تقارب 37 درجة مئوية. لكن مع اقتراب موعد النوم تبدأ حرارة الجسم الداخلية بالانخفاض، وهي عملية ترتبط بإشارات الجسم المسؤولة عن الدخول في النوم وإفراز الميلاتونين، ولهذا تلعب البيئة المحيطة دوراً مهماً.
تشير غودسون إلى أن درجة حرارة غرفة النوم المثالية تقارب 18.3 درجة مئوية، لأن ارتفاع حرارة الغرفة يجعل عملية التخلص الطبيعي من حرارة الجسم أكثر صعوبة، وهو ما يمكن أن يؤخر النوم ويجعله أقل راحة.
ومن هنا تتشكل سلسلة بسيطة:
غرفة حارة → نوم أسوأ → إرهاق أكبر → انفعال أسرع → تقارب عاطفي أقل → رغبة جنسية أضعف.
وهكذا قد يبدو للزوجين أن «الكيمياء» بينهما تغيرت، بينما يكون جزء مهم من المشكلة موجوداً في ميزان الحرارة.
عندما يفسد الحر المزاج
هذه النقطة ربما تكون الأكثر أهمية في سؤال الزوجين، فهما لم يقلقا فقط بسبب تراجع العلاقة الحميمة، وإنما بسبب السرعة التي انتقلت بها المسافة من داخل غرفة النوم إلى خارجها. وهذا، وفق تفسير غودسون، ليس مستغرباً.
فعندما يتحسن تنظيم حرارة الجسم يتحسن النوم، ومع النوم الأفضل تتحسن القدرة على تنظيم الانفعالات، وبمعنى أبسط: الإنسان الذي نام جيداً يمتلك قدرة أكبر على تحمل التفاصيل اليومية، فيما يصبح الشخص المرهق أكثر قابلية للانزعاج والغضب وسوء تفسير تصرفات شريكه.
ومن هنا قد تبدأ مشاجرات صغيرة لا علاقة مباشرة لها بالجنس:
من أغلق النافذة؟
لماذا تتحرك كثيراً أثناء النوم؟
لماذا لا تريد أن تقترب مني؟
لماذا أصبحت عصبياً؟
ثم يبدأ كل طرف بقراءة سلوك الآخر باعتباره موقفاً عاطفياً، بينما يكون الاثنان ببساطة متعبين ويشعران بالحر.
برّدوا الغرفة أولاً
النصيحة الأولى ليست رومانسية، لكنها عملية: اجعلوا غرفة النوم أكثر برودة.. تقترح غودسون مجموعة من الوسائل البسيطة، بينها إبقاء غرفة النوم مظلمة خلال النهار لمنع تراكم الحرارة، والاستحمام بماء فاتر قبل النوم، واستخدام منشفة رطبة وباردة على العينين أو الرقبة أو الرسغين، واختيار ملاءات من القطن المصري.
وتقترح أيضاً وضع وعاء من الثلج أمام المروحة، وحتى الاحتفاظ بالجوارب في المجمّد قبل ارتدائها.
قد تبدو بعض هذه الأفكار طريفة، لكن الفكرة العلمية وراءها واحدة: مساعدة الجسم على التخلص من الحرارة قبل محاولة النوم.
والهدف النهائي ليس الحصول على غرفة باردة فقط، وإنما كسر الحلقة التي تربط الحرارة بالأرق ثم الأرق بالتوتر.
العلاقة الحميمة ليست مرادفاً للجنس
هنا تنتقل إجابة «ذا تايمز» من الفيزيولوجيا إلى العلاقة نفسها، تقول غودسون إن التقارب العاطفي لا يحتاج دائماً إلى ممارسة الجنس، حيث يمكن للزوجين أن يمسكا بأيدي بعضهما، أو يتحدثا، أو يضحكا معاً وهما يحاولان النجاة من ليلة شديدة الحرارة أمام مروحة باردة.
الفكرة تبدو بسيطة، لكنها مهمة.. فعندما تمر العلاقة بفترة يقل فيها الجنس لأسباب خارجية، يمكن أن يقع الطرفان في خطأ تفسير التراجع باعتباره تراجعاً في الحب أو الانجذاب.
وعندها يتحول غياب الجنس من نتيجة لمشكلة أخرى إلى مشكلة مستقلة بذاتها.
لكن المحافظة على اللمس والضحك والحديث والقرب الجسدي البسيط تبقي الرابط قائماً حتى تتحسن الظروف.
وبذلك لا يشعر أحد الطرفين بأنه مرفوض، ولا يتحول الحر إلى اختبار للعلاقة.
هل يمكن جعل العلاقة الحميمة أقل حرارة؟
ترى غودسون أن ذلك ممكن أيضاً، وتقترح، خلال موجات الحر، اختيار أوضاع تقلل مساحة التلامس الجسدي الطويل، بحيث لا يبقى الجسدان ملتصقين بصورة تزيد الإحساس بالحرارة.
كما تقترح استخدام البرودة لإضافة إحساس مختلف، مثل تناول مكعب ثلج قبل التقبيل أو تمرير مكعب يذوب على الجلد الدافئ.. لكن النصيحة الأكثر إثارة للاهتمام تتعلق بالوقت نفسه.
السادسة صباحاً بدلاً من منتصف الليل؟
تقترح غودسون تغيير الفكرة التقليدية القائلة إن العلاقة الحميمة ينبغي أن تكون قبل النوم، ففي الصيف قد تكون تلك ببساطة أسوأ ساعات اليوم.
درجات الحرارة الخارجية تكون عادة في أدنى مستوياتها قرب الفجر، كما تكون حرارة الجسم في مرحلة منخفضة من إيقاعها اليومي.
لذلك تقترح، لمن يناسبهم الأمر، النوم مبكراً والاستيقاظ في الساعات الأولى من الصباح بدلاً من انتظار نهاية يوم حار ومرهق.
الأمر يحتاج، كما تقول، إلى بعض الانضباط: الذهاب إلى النوم أبكر من المعتاد وضبط المنبه وإتاحة وقت كافٍ قبل بدء اليوم.. لكن الفكرة تتجاوز مجرد الهروب من الحر.
هل العلاقة الحميمة تساعد فعلاً على النوم؟
تشير غودسون إلى دراسات وجدت ارتباطاً بين النشوة الجنسية وتحسن بعض مؤشرات النوم لدى عدد من الأشخاص.
وتفسر ذلك بالتغيرات الهرمونية والعصبية المصاحبة لها، إذ يرتبط الأوكسيتوسين بالشعور بالاسترخاء والقرب، بينما ترتبط الإندورفينات بالتهدئة وتحسن الشعور العام.
لكن من الأفضل قراءة هذه النقطة باعتبارها عاملاً مساعداً محتملاً وليست وصفة طبية مضمونة.
فالاستجابة تختلف بين الأشخاص، كما أن اضطرابات النوم المزمنة قد تكون لها أسباب طبية أو نفسية أو سلوكية لا يحلها النشاط الجنسي.
ومع ذلك، فإن الفكرة التي تطرحها غودسون مثيرة للاهتمام: بدلاً من ترك الحر يضع النوم والجنس في مواجهة بعضهما، يمكن تغيير التوقيت بحيث يخدم أحدهما الآخر.
لماذا يظهر الخلاف خارج غرفة النوم؟
هذا هو الجانب النفسي الأعمق في القصة.. فالعلاقة الجنسية لدى كثير من الأزواج ليست نشاطاً جسدياً معزولاً، وإنما إحدى طرق التعبير عن القبول والقرب والرغبة والاهتمام.
لذلك عندما تتراجع بصورة مفاجئة، قد يبدأ العقل بإنتاج تفسيرات أكبر من السبب الحقيقي:
«لم يعد يرغب بي».
«لم تعد تحب الاقتراب مني».
«هناك شيء تغير بيننا».
بينما قد تكون الحقيقة: درجة الحرارة 30 مئوية، وكلاهما لم ينم جيداً منذ ثلاثة أيام.
لكن التفسير الخاطئ يمكن أن يصبح مع الوقت حقيقة عاطفية، إذا شعر أحد الطرفين بالرفض، فقد ينسحب. وإذا انسحب، يشعر الآخر بالمسافة. ثم يقل الحوار واللمس، فتتراجع الرغبة أكثر.. وهكذا تتحول مشكلة مناخية مؤقتة إلى دائرة من التباعد.
ولهذا تبدو نصيحة المحافظة على أشكال أخرى من الحميمية أكثر أهمية مما تبدو عليه للوهلة الأولى.
أحياناً لا تحتاج العلاقة إلى علاج.. بل إلى نوم جيد
ما يجعل سؤال «ذا تايمز» ممتعاً ليس الجنس وحده، وإنما الطريقة التي يكشف بها هشاشة الحدود بين الجسد والمزاج والعلاقة.
نحن نميل إلى تفسير المشكلات العاطفية بأسباب عاطفية، فإذا أصبح الشريك عصبياً، نعتقد أن هناك مشكلة بيننا، وإذا تراجعت الرغبة، نبحث عن أزمة في الحب، وإذا اختفى التقارب، نتساءل عما تغير في العلاقة.. لكن الإنسان ليس عقلاً ومشاعر فقط، إنه أيضاً جسد يتأثر بالحرارة والجوع والنوم والإرهاق والهرمونات.
ولهذا يمكن لشيء بسيط مثل موجة حر أن يدخل غرفة النوم، ثم يخرج منها في صباح اليوم التالي على هيئة مشاجرة لا يعرف أي من الطرفين لماذا بدأت.
والدرس هنا أوسع من الصيف البريطاني.
قبل أن يقرر الزوجان أن علاقتهما تمر بأزمة، ربما يستحق الأمر النظر إلى الظروف المحيطة بهما: هل ينامان جيداً؟ هل هما مرهقان؟ هل تغير روتينهما؟ وهل توقفا عن التعبير عن الحميمية لمجرد أن الجنس نفسه أصبح أقل راحة؟
فالعلاقة الجيدة لا تقاس فقط بعدد المرات التي يمارس فيها الزوجان الجنس، وإنما أيضاً بقدرتهما على عبور الفترات التي يقل فيها من دون أن يفسرا ذلك باعتباره نهاية للرغبة أو الحب.
موجة الحر ستمر في النهاية.. لكن ربما يكون أهم ما يمكن أن يتعلمه الزوجان منها أن بعض الأزمات التي تبدو كبيرة تحت أضواء غرفة النوم، تصبح أصغر بكثير بعد ثماني ساعات من النوم الجيد في غرفة باردة.