لندن - سدن
بدأ آندي برنهام عهده في داونينغ ستريت بإيقاع سريع: قرارات متلاحقة، جولات ميدانية، رسائل مباشرة عن كلفة المعيشة، وحضور كثيف على مواقع التواصل الاجتماعي. كان يريد أن يرسخ منذ الأيام الأولى صورة حكومة «تنجز».
لكن مرحلة الافتتاح تكاد تنتهي.. فما ينتظر برنهام خلال الخريف لا يتعلق بالشعارات أو الصورة العامة، بل بملفات تحتاج إلى خيارات صعبة: السجون، الميزانية، الإنفاق الدفاعي، الهجرة، النفط والغاز، وشركات المياه.
وفي تقرير مطول، رأت «صنداي تايمز» أن برنهام يدخل الآن مرحلة «لا مزيد من السيد اللطيف»، أي اللحظة التي تنتهي فيها القرارات السهلة ويبدأ الحكم الحقيقي.
حكومة تريد أن تثبت أنها تنجز
جمع برنهام مستشاريه أخيراً في مقر رئاسة الوزراء، وأبلغهم بأن حكومته يجب أن تثبت قبل كل شيء أنها «تنجز الأمور».
العبارة تشبه كثيراً ما كان يقوله كير ستارمر عن «التنفيذ»، لكن الفارق أن برنهام بدا أكثر استعجالاً وأكثر ميلاً إلى تحويل الخطاب إلى تحركات ملموسة.
ومع ذلك، فإن أول اختبار جدي كشف حدود هذا الأسلوب.
فأزمة الإفراج المبكر عن السجناء وضعت الحكومة أمام معضلة لا يوجد لها حل مريح.
السجون البريطانية وصلت إلى نحو 97 في المئة من طاقتها، وبرنهام أجّل تطبيق خطة الإفراج المبكر من سبتمبر/أيلول إلى أكتوبر/تشرين الأول، لكنه لا يستطيع إلغاء المشكلة.
الحكومة تواجه ضغطاً شعبياً لمنع الإفراج عن جيسي كول وألبرت باورز، المدانين بقتل الشرطي أندرو هاربر، بعدما تجاوزت عريضة تطالب بإبقائهما في السجن مليون توقيع.
لكن إذا احتفظت الحكومة بهما وبآخرين خلف القضبان، فعليها أن تجد مساحة لسجناء جدد.
لذلك يجري البحث في الإفراج عن بعض النساء، ومراجعة أحكام سجناء الحماية العامة غير محددة المدة، وتسريع ترحيل المجرمين الأجانب.
لكن حتى هذه الإجراءات قد لا تكون كافية، فيما يهدد نزاع صناعي داخل جهاز المراقبة بتعقيد عملية متابعة المفرج عنهم.
وهنا بدأت أولى مفارقات حكم برنهام: كل حل ينتج مشكلة أخرى.
الميزانية.. حيث تنتهي السياسة السهلة
الاختبار الأكبر سيأتي في 28 أكتوبر/تشرين الأول، موعد أول ميزانية لوزير الخزانة جون هيلي.
داونينغ ستريت يريد ميزانية هادئة تركز على اللامركزية وتخفيف كلفة المعيشة، لكن الأرقام قد تفرض شيئاً مختلفاً.
هناك فجوة تبلغ نحو 4.7 مليار جنيه إسترليني في خطة الاستثمار الدفاعي القائمة، إضافة إلى سؤال أكبر بشأن الوصول إلى إنفاق دفاعي يعادل 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
مكتب مسؤولية الميزانية يقدر أن بلوغ هذه النسبة قد يكلف 17.3 مليار جنيه إضافية بحلول 2029-2030.
ومن هنا يصبح السؤال سياسياً قبل أن يكون مالياً: من سيدفع هذه الفاتورة؟
إذا رفعت الحكومة الإنفاق الدفاعي، فقد تضطر إلى الضغط على مجالات أخرى، أو زيادة الضرائب، أو السماح بمزيد من الاقتراض.
كما أن أثر الصراع في الشرق الأوسط على المالية البريطانية لا يزال غير واضح، ما يجعل ميزانية أكتوبر أول اختبار حقيقي لقدرة برنهام على الجمع بين الوعود الاجتماعية ومتطلبات الأمن والدفاع.
الهجرة.. الملف الذي لا يرحم
عند عودة البرلمان في سبتمبر/أيلول، ستتصدر الهجرة النقاش السياسي.
أحد أكثر المقترحات حساسية هو مضاعفة المدة اللازمة للحصول على الإقامة الدائمة من خمس إلى عشر سنوات.
الاقتراح أثار اعتراضات داخل حزب العمال نفسه، وكانت أنجيلا راينر قد وصفته بأنه «غير بريطاني» واعتبرته تغييراً لقواعد اللعبة بعد وصول المهاجرين.
وفي ملف القوارب الصغيرة، تمتلك الحكومة رقماً إيجابياً: الانخفاض الأولي في عدد العابرين بنحو 43 في المئة مقارنة بعام 2025.
لكن أزمة السكن بدأت تحل محل أزمة الأرقام.
الحكومة تريد تحويل مواقع عسكرية غير مستخدمة في أوكسفوردشير ونورث يوركشير وسوفولك إلى مراكز لطالبي اللجوء، وتقليل الاعتماد على الفنادق.
وبرنهام يقول إن المناطق الأكثر ثراءً يجب أن «تؤدي دورها»، لكن الخطط أثارت احتجاجات محلية وتحذيرات من اضطرابات.
والمفارقة أن حكومة ترفع شعار تمكين المجتمعات المحلية اضطرت في بعض الحالات إلى تجاوز السلطات المحلية للحصول على تصاريح تخطيط عاجلة.
النفط والغاز.. البراغماتية تصطدم باليسار
برنهام ملتزم رسمياً بسياسة حزب العمال التي تمنع إصدار تراخيص جديدة للنفط والغاز.
لكن مصير حقلي «جاكداو» و«روزبنك»، اللذين حصلا على موافقات قبل انتخابات 2024، ما زال معلقاً.
التيار البيئي يعارض تطويرهما بشدة، وإد ميليباند سبق أن وصف روزبنك بأنه «تخريب مناخي».
في المقابل، تقول الشركة المطورة إن المشروعين سيعززان أمن الطاقة البريطاني، ويحافظان على الوظائف، ويولدان مليارات الجنيهات من الضرائب والنشاط الاقتصادي.
وبرنهام نفسه بدأ يترك الباب مفتوحاً.. وقال إنه يتعامل مع نفط وغاز بحر الشمال «بعقل منفتح»، ثم أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه سيتبنى مقاربة «براغماتية».
وهنا قد يجد نفسه بين جناحين: اليسار البيئي الذي يرفض أي تراجع، وناخبين يهتمون بأمن الطاقة والوظائف وكلفة الفواتير.
الماء.. عندما تصبح الشعارات باهظة الثمن
برنهام تحدث كثيراً عن إعادة «أساسيات الحياة» إلى خدمة الصالح العام، خاصة بعد تصاعد الغضب الشعبي من شركات المياه.
ووفق استطلاع YouGov في مايو/أيار، يؤيد 82 في المئة من البريطانيين إدارة شركات المياه في القطاع العام.
لكن أول اختبار لهذه الفكرة قد يكون شركة «Thames Water»، أكبر شركة مياه في بريطانيا، التي تخدم نحو 16 مليون شخص وتدين لمقرضين بنحو 17 مليار جنيه إسترليني.
الشركة تحذر من نفاد السيولة إذا لم تتوصل إلى اتفاق مع الدائنين قبل نهاية العام، والخيار المرجح هو وضعها تحت إدارة خاصة تضمن استمرار الخدمة حتى العثور على مشترٍ، لكن هذا قد يكلّف دافع الضرائب نحو ملياري جنيه إسترليني في المرحلة الأولى. وهنا يتحول الشعار إلى سؤال قاسٍ: هل يريد الجمهور فعلاً سيطرة أكبر للدولة إذا كان ثمنها مليارات من الخزانة؟
الخريف الذي سيكشف برنهام الحقيقي
حتى الآن، نجح برنهام في السيطرة على الصورة، لكن الأشهر المقبلة ستقيس قدرته على الاختيار لا على الإعلان.
إذا أبقى سجناء خطرين خلف القضبان، فعليه أن يحل أزمة الاكتظاظ.
إذا زاد الإنفاق الدفاعي، فعليه أن يجد المال.
إذا شدد الهجرة، فقد يصطدم بحزبه.
إذا رفض حقول النفط، سيواجه أسئلة أمن الطاقة.
وإذا أنقذ شركات المياه، فقد يطلب من المواطن دفع فاتورة فشل القطاع الخاص.
هذه ليست مشاكل يمكن حلها بفيديو قصير على وسائل التواصل الاجتماعي.
وهذا هو جوهر تقرير «صنداي تايمز»: الحكم يبدأ فعلاً عندما تختفي الخيارات المريحة.
المعارضة تستطيع أن تختار الموقف النقي، أما الحكومة فتضطر دائماً إلى المفاضلة بين كلف مختلفة.
ولهذا قد يكون الخريف المقبل اللحظة التي ينتقل فيها آندي برنهام من سياسي يعرف كيف يسمع الناس إلى رئيس وزراء عليه أحياناً أن يخبرهم بما لا يريدون سماعه.
فالمرحلة المقبلة لن تكشف فقط ما إذا كان برنهام يستطيع «إنجاز الأمور»، بل ما إذا كان يستطيع تحمل الكلفة السياسية للإنجاز.
وفي النهاية، قد يقاس نجاحه لا بعدد من أرضاهم، بل بمن اختار أن يغضب عندما لم يعد ممكناً إرضاء الجميع.