بزشكيان هدد بالاستقالة أو رؤية خامنئي..
سبع ساعات كشفت من يحكم قرار الحرب في إيران

بزشكيان هدد بالاستقالة أو رؤية خامنئي..
سبع ساعات كشفت من يحكم قرار الحرب في إيران

لندن – سدن

كشفت صحيفة (تايمز) البريطانية عن صراع حاد داخل دوائر الحكم في إيران بشأن الحرب والتفاوض مع الولايات المتحدة، وصل إلى حد تهديد الرئيس مسعود بزشكيان بالاستقالة للحصول على لقاء مباشر وواضح مع المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، في وقت يبدو فيه أن معسكر استمرار المواجهة نجح حتى الآن في تعطيل اتفاق كان قريباً من الإنجاز.

وبحسب الصحيفة، بذل بزشكيان جهوداً استثنائية للوصول إلى خامنئي والحصول منه على موقف حاسم بشأن الملفات التي تواجه البلاد، بعدما أثار لقاء أول قصير وغامض بين الرجلين شكوك الرئيس الإيراني نفسه.

وجرى ذلك اللقاء داخل سيارة ذات نوافذ معتمة، حيث طُلب من بزشكيان اختصار حديثه وعدم لمس الشخص الجالس إلى جواره، وهي ظروف جعلته غير مطمئن إلى هوية من التقى به، ودفعته إلى الإصرار على لقاء آخر، ملوحاً بالاستقالة إذا لم يتحقق ذلك.

سبع ساعات مع خامنئي

وبعد الضغوط، عقد اجتماع ثان ونادر استمر نحو سبع ساعات، ناقش خلاله الرجلان، وفق بزشكيان، مختلف الأزمات التي تواجه إيران، من الأوضاع المعيشية والأسواق والتوظيف والإسكان، إلى العقوبات وسبل الصمود وتعزيز الدعم الشعبي والوحدة الداخلية.

لكن الساعات السبع لم تكن كافية لحسم القضية الأخطر: هل تذهب إيران إلى اتفاق مع واشنطن أم تواصل المواجهة؟

وتقول (تايمز) إن الانقسام داخل النظام حال دون التوصل إلى صيغة جديدة لوقف إطلاق النار، مشيرة إلى أن وسطاء تلقوا رسالة من مسؤولين إيرانيين مؤيدين للتسوية تفيد بأنهم لم يعودوا قادرين على الموافقة على الصيغة المطروحة بسبب اعتراض المعسكر المتشدد على التنازلات المطلوبة.

ويطالب هذا المعسكر بالإبقاء على البرنامج النووي الإيراني، والإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة، إلى جانب حصول طهران على حق فرض رسوم على حركة العبور في مضيق هرمز.

اتفاق كان ينتظر الإعلان.. ثم انقلبت طهران

وتكشف الصحيفة أن الاتفاق اقترب بالفعل من لحظة الإعلان، ففي وقت سابق من آب/أغسطس، توقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل خلال أيام إلى اتفاق بين إيران وسلطنة عُمان بشأن إدارة مضيق هرمز، على أن يشكل ذلك مدخلاً إلى تسوية أوسع لوقف الحرب.

ولم تكن توقعات ترامب بلا أساس، وفق (تايمز)، إذ توصل وسطاء خليجيون ومبعوثون أميركيون إلى تقدم ملموس مع المفاوضين الإيرانيين، الذين أبدوا موافقة أولية على الاتفاق، وأبلغوا الوسطاء بأن نقطة فنية واحدة فقط بقيت بحاجة إلى التشاور مع طهران.

وبدأت بالفعل ترتيبات الإعلان عن التفاهم، لكن المفاجأة حدثت عندما عاد الوفد الإيراني إلى طهران، وبدلاً من الحصول على الضوء الأخضر لإنجاز الاتفاق، تراجع المفاوضون عن الموافقة التي سبق أن أبلغوا بها الوسطاء، لتنهار التسوية عند عتبة القرار الداخلي الإيراني.

المتشددون: لماذا ننقذ ترامب؟

ويربط حسن أحمديان، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة طهران، هذا التحول بقناعة لدى المعسكر المتشدد بأن إيران ليست مضطرة إلى منح ترامب مخرجاً من الأزمة.

ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الحرب، رغم كلفتها، حسنت بعض أوراق طهران التفاوضية، وأن إنهاءها من دون مقابل كبير سيمنح الرئيس الأميركي فرصة للخروج من المواجهة بشروط أفضل، وقد يترك إيران عرضة لجولة أخرى لاحقاً.

وفي الجهة المقابلة، يحذر أنصار التسوية من أن أوراق القوة الإيرانية ليست مضمونة إلى الأبد، وأن الاتفاق الآن قد يكون أفضل من الانتظار حتى تتغير موازين القوة أو تدخل البلاد حرباً جديدة في ظروف أكثر صعوبة.

من يتخذ القرار في طهران؟

وتذهب (تايمز) أبعد من الخلاف بين بزشكيان والمتشددين، إذ تنقل عن خبراء أن دائرة اتخاذ القرار الإيراني أصبحت أضيق بكثير مما توحي به مؤسسات الدولة الرسمية.

ويرى علي واعظ، من مجموعة الأزمات الدولية، أن النفوذ الحقيقي يتركز بصورة متزايدة لدى مجموعة محدودة من قادة الحرس الثوري الحاليين والسابقين، الذين تجمعهم علاقات شخصية ومؤسساتية قديمة بمجتبى خامنئي.

وبمعنى آخر، فإن كثرة الأصوات داخل النظام لا تعني بالضرورة تعدد مراكز القرار الفعلية.

ويتفق الخبير في الشأن الإيراني فرزان ثابت مع هذا التقدير، ويخلص إلى أن معسكر استمرار المواجهة يمتلك حالياً اليد العليا في تحديد اتجاه السياسة الإيرانية.

رهان على الوقت ضد ترامب

وينطلق هذا المعسكر من حساب سياسي بسيط: ترامب، في تقديرهم، يحتاج إلى نهاية الحرب أكثر من حاجة إيران إليها.

فاستمرار المواجهة وارتفاع كلفتها، خصوصاً إذا انعكسا على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، يمكن أن يضعا الإدارة الأميركية تحت ضغط متزايد مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في تشرين الثاني/نوفمبر.

ولهذا يعتقد المتشددون أن الوقت قد يعمل لمصلحة طهران، وأن تأخير الاتفاق يمكن أن يرفع الثمن الذي سيكون ترامب مستعداً لدفعه لإنهاء الحرب.

لكن خصومهم داخل النظام يخشون العكس تماماً: أن تراهن إيران على الوقت، ثم تكتشف أن الوقت كان يعمل ضدها، وأن الفرصة المتاحة اليوم للحصول على تنازلات أميركية قد تختفي إذا تبدلت موازين القوة.

وهكذا، لم تعد عقدة المفاوضات محصورة في المسافة بين واشنطن وطهران، بل انتقلت إلى قلب النظام الإيراني نفسه.

وبعد لقاء استمر سبع ساعات وتهديد رئاسي بالاستقالة واتفاق وصل تقريباً إلى منصة الإعلان قبل أن يتوقف في طهران، بات السؤال الذي يسبق أي تفاوض مع الأميركيين هو: من يملك الكلمة الأخيرة في إيران.. الرئيس الذي يريد الاتفاق، أم المعسكر الذي يعتقد أن بإمكانه إجبار ترامب على دفع ثمن أكبر؟