إيران بين الحرب والتفاوض..
الصحافة الإيرانية تقلل من إشارات التراجع وتدفع برواية (الصمود الطويل)

 إيران بين الحرب والتفاوض..
الصحافة الإيرانية تقلل من إشارات التراجع وتدفع برواية (الصمود الطويل)
حجم الخط

لندن - سدن

أظهرت مراجعة الخطاب الإعلامي الإيراني خلال الساعات القليلة الماضية، استمرار تحول واضح في الطريقة التي تقدم بها المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية الحرب مع الولايات المتحدة، حيث لم تعد الأولوية لإعلان (نصر سريع)، بل لبناء رواية تقوم على القدرة على تحمل مواجهة طويلة، وإبقاء الاقتصاد عاملاً، والحفاظ في الوقت نفسه على باب تفاوض لا يظهر بوصفه تراجعاً أمام الضغط.

فوكالات مثل (تسنيم) و(مهر) و(إرنا) واصلت خلال اليوم إبراز المواقف العسكرية والاقتصادية الرسمية، مع تركيز على قدرة إيران على الرد وعلى العلاقات مع الشركاء غير الغربيين، وبما أن هذه المؤسسات متفاوتة في قربها من الحكومة والحرس الثوري، فإن ما تنشره عن القدرات العسكرية أو الخسائر ينبغي التعامل معه باعتباره رواية إيرانية لا تقييماً مستقلاً.

وهذا الخطاب يأتي بعد معلومات (رويترز) التي أفادت بأن القيادة الإيرانية تعد خيارات لرد أوسع إذا عادت الولايات المتحدة إلى ضربات كبيرة.

في المقابل، لا تزال طهران تسمح بخط دبلوماسي عبر قطر، ما يؤكد أن الاستعداد العسكري لا يعني قراراً بإغلاق التفاوض.

والمعادلة الإيرانية صعبة، فأي اتفاق يحتاج إلى تقديم مكسب اقتصادي يستطيع النظام عرضه داخلياً، خصوصاً في ملف العقوبات والنفط والملاحة، وفي الوقت نفسه، تريد القيادة تجنب صورة أنها قدمت تنازلات بسبب الضغط العسكري الأميركي.

ولهذا تصبح اللغة المستخدمة في الإعلام جزءاً من عملية التفاوض نفسها، فعندما تصف المؤسسات الإيرانية الاقتصاد بأنه قادر على الصمود، فهي لا تخاطب الجمهور المحلي فقط، فالرسالة موجهة أيضاً إلى واشنطن، حيث ان زيادة الضغط لن تنتج انهياراً سريعاً.

لكن المؤشرات الاقتصادية لا تسمح بتجاهل الكلفة، فالحرب والعقوبات واضطراب التجارة، ترفع تكاليف الاستيراد وتضغط على العملة والأسعار، فيما تحتاج الصناعة إلى مواد ومكونات وأسواق.

كما ان العلاقة مع الصين وروسيا وآسيا الوسطى تظهر بصورة متزايدة في الخطاب الإيراني بوصفها وسيلة لتقليل الاعتماد على الغرب، لكن هذه الأسواق لا تستطيع تعويض النظام المالي والتجاري العالمي بالكامل.

فالصين تحديداً تتعامل مع إيران وفق حسابات اقتصادية دقيقة، ولا تريد أن تعرض شركاتها الكبرى لعقوبات أميركية واسعة.

والمثير أن الخطاب الإيراني أصبح أكثر براغماتية في علاقته بالجوار، فبدلاً من التركيز فقط على (محور المقاومة)، تتزايد الإشارات إلى التجارة والحدود والطاقة والعلاقات الثنائية، ولا يعني ذلك تغييراً أيديولوجياً كاملاً، لكنه يعكس حاجة دولة تحت الضغط إلى توسيع شبكة المصالح التي تمنع عزلتها.

والحرب، في الرواية الإيرانية الجديدة، ليست معركة أيام، بل إنها اختبار قدرة دولة على البقاء اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً حتى تتغير شروط التفاوض، والمعيار الحقيقي لهذه الرواية لن يكون ما تقوله الصحف والوكالات، بل ما إذا كانت إيران تستطيع الحفاظ على اقتصادها ومؤسساتها وحركة تجارتها بما يكفي لتحويل الصمود من شعار إعلامي إلى قدرة تفاوضية فعلية.