بغداد – سدن
جاء محمد باقر قاليباف إلى بغداد وفي حقيبته أكثر من ملف، لكن الملف الذي طغى على ما عداه كان واضحاً منذ الساعات الأولى، الا وهو ماذا سيحدث لسلاح الفصائل العراقية الموالية لإيران بعد 30 أيلول؟
رئيس البرلمان الإيراني لم يصل إلى العراق كسائح سياسي، ولا بدت زيارته، التي امتدت ثلاثة أيام، مجرد محطة في العلاقات البرلمانية بين البلدين، فالرجل عضو بارز في المنظومة الحاكمة في طهران، وقائد سابق في الحرس الثوري، وجاء في توقيت شديد الحساسية، بعد أيام فقط من زيارة قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني الى بغداد، وفي وقت تضيق فيه المسافة بين الموعد الذي حددته حكومة علي الزيدي لحصر السلاح وبين رفض بعض الفصائل تسليمه.
لكن اللافت في رحلة قاليباف ليس فقط ما حمله معه إلى بغداد، بل ما سمعه فيها أيضاً.
من سليماني بدأت الرسالة
اختار قاليباف أن يبدأ زيارته من المكان الذي قتل فيه قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس قرب مطار بغداد، فهذه المحطة لا تعتبر في الأعراف السياسية، تفصيلاً بروتوكولياً، فقبل أن يجلس مع رئيس الحكومة أو رئيس البرلمان أو قادة الإطار التنسيقي، وقف الرجل في المكان الأكثر رمزية في تاريخ النفوذ الإيراني الحديث في العراق، وكان المشهد بحد ذاتها رسالة.
لكن بغداد التي وصل إليها قاليباف في آب 2026 ليست بغداد التي عرفها سليماني قبل سنوات، فالدولة العراقية تناقش اليوم بصورة علنية إنهاء السلاح خارج مؤسساتها، ورئيس الحكومة وضع موعداً لتنفيذ خطته، فيما باتت العلاقة بين الفصائل والدولة موضوعاً سيادياً داخلياً وضاغطاً، لا مجرد تفصيل داخل البيت الشيعي.
الزيدي.. الاجتماع الأصعب
في لقاء قاليباف مع رئيس الوزراء علي الزيدي حضرت الملفات الرسمية المعروفة، مثل: العلاقات الثنائية، الاقتصاد، أمن المنطقة، الحرب وتداعياتها، ومضيق هرمز، لكن خلف هذه العناوين كان هناك ملف يصعب إخفاؤه: السلاح.
فالزيدي هو الطرف الذي يريد الوصول إلى نهاية أيلول وقد وضع منظومة السلاح خارج الدولة أمام اختبار حقيقي، بينما جاءت طهران وهي تحاول منع هذا المسار من التحول إلى مواجهة بين الحكومة وحلفائها العراقيين.
ووفق ما تسرب لاحقاً عن محادثات قاليباف مع القوى الشيعية، لم تكن الفكرة الإيرانية تقوم بالضرورة على تحدي الحكومة علناً، وإنما البحث عن صيغة تبقي السلاح بعيداً عن التسليم الكامل والمباشر لها.
الإطار.. البحث عن مكان للسلاح
وهنا كان الاجتماع الأهم، فقد اجتمع قاليباف بقيادات الإطار التنسيقي، وظهرت بعده روايات متعددة عن مقترحات إيرانية لمعالجة الأزمة، منها إبقاء بعض الأسلحة لدى الفصائل، أو إيداعها لدى هيئة الحشد الشعبي، وتجميد السلاح الثقيل، أو إبعاده مؤقتاً بما يمنع استخدامه ويحول في الوقت نفسه دون تسليمه الكامل إلى الحكومة، وتحدثت تقارير أخرى عن احتمال نقل جانب من السلاح الثقيل إلى إيران بصورة مؤقتة، لكن خلاصة الافكار الإيرانية تتمثل في ان طهران تبحث عن طريقة لإنقاذ السلاح من المواجهة مع الدولة، من دون التخلي عنه نهائياً.
الحلبوسي قلب الطاولة
ربما كان اللقاء الأكثر إثارة في الزيارة هو لقاء قاليباف مع رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي.
فبحسب معلومات نشرتها قناة (الحرة)، لم يكتف الحلبوسي بالمجاملات الدبلوماسية، بل وضع أمام ضيفه ثلاث ملفات حساسة.
وكان السؤال الحلبوسي الأشد مباشرة: إذا كانت إيران ترى وجود فصائل عراقية مسلحة مرتبطة بها أمراً مشروعاً، فهل تقبل طهران أن يمول العراق فصائل مسلحة داخل إيران؟
وتطرق اللقاء أيضاً إلى أمن الملاحة ومصالح العراق الاقتصادية، في لحظة بات فيها أي اضطراب في مضيق هرمز قادراً على إصابة الاقتصاد العراقي نفسه.
ولم تنتهِ المبارزة الحلبوسية - القاليبافية عند باب الاجتماع، فقد نشر قاليباف صورة ظهر خلفه فيها اسم (الخليج الفارسي)، ليظهر الحلبوسي لاحقاً في صورة وخلفه خريطة تحمل اسم (الخليج العربي).
من السياسة إلى القضاء
واصل قاليباف جولته والتقى رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، خاصة بعد زيارته المثيرة الى دمشق، ولقاءه الزعيم السوري احمد الشرع، وبذلك حاول أن يغطي تقريباً كامل مؤسسات السلطة العراقية المتمثلة بالحكومة، البرلمان، القضاء والقوى السياسية الشيعية.
هل نجحت الزيارة؟
المعلومات التي ظهرت بعد مغادرة قاليباف تقول شيئاً مختلفاً، مصادر حكومية مطلعة تحدثت عن أن الزيارة لم تحقق (كامل أهدافها)، وهو تعبير دبلوماسي يمكن أن يخفي خلفه خلافاً أكبر بكثير، فطهران نجحت في إيصال موقفها، ونجحت في فتح باب البحث عن تسوية تمنع الانفجار بين الزيدي والفصائل، لكنها لم تحصل وفق المعطيات المتاحة، على صيغة عراقية نهائية تضمن بقاء منظومة السلاح بالشكل الذي تريده.
وفي المحصلة.. جاء قاليباف وفي ذهنه سؤال إيراني: كيف نحمي حلفاءنا وسلاحهم من استحقاق 30 أيلول من دون دفع العراق إلى مواجهة؟
لكنه غادر والعراقيون وضعوا أمامه أسئلة أخرى: هل تستطيع إيران أن تطالب بسيادة كاملة على أراضيها وتتعامل مع سيادة العراق بمنطق مختلف؟ هل يمكن أن يصبح السلاح عراقياً في الاسم، فيما يبقى قرار استخدامه خارج الدولة؟
وهكذا.. جاء قاليباف إلى بغداد حاملاً رسائل طهران، وتنقل بين الحكومة والبرلمان والقضاء والإطار، محاولاً العثور على مخرج لأكثر الملفات حساسية في العلاقة بين البلدين، لكنه حين غادر، بقي السلاح في مكانه، وبقي موعد أيلول يقترب.. وعادت معه أسئلة العراق.