بغداد - سدن
دخل ملف سلاح الفصائل المسلحة في العراق مرحلة جديدة من الشروط والترتيبات السياسية، بعدما انتقل النقاش من مبدأ (حصر السلاح بيد الدولة) إلى صيغة (إدارة السلاح)، في تطور ينسجم مع ما كشفت عنه (سدن) خلال الأيام الماضية بشأن محاولات داخل الإطار التنسيقي للوصول إلى تسوية تجنب الحكومة والفصائل مواجهة مباشرة.
وبحسب معلومات متداولة في الأوساط السياسية، فإن التفاهم الجديد لا يتحدث عن تسليم فوري للسلاح، بل يربط بدء العملية بتحقق شرطين أساسيين: اكتمال انسحاب القوات الأميركية من العراق، وإقرار قانون الخدمة والتقاعد الخاص بهيئة الحشد الشعبي.
والأكثر أهمية أن الأسلحة التي ستوافق الفصائل على تسليمها، وفق التفاهم المطروح، لن تنتقل إلى مخازن وزارتي الدفاع أو الداخلية أو جهاز مكافحة الإرهاب، وإنما ستودع في مخازن هيئة الحشد الشعبي، حتى إذا جرت عملية التسليم بحضور ممثلين عن المؤسسات الأمنية الحكومية.
وقال مصدر مطلع إن هذه الآلية تندرج ضمن مفهوم (إدارة سلاح الفصائل) بالتنسيق مع الحكومة، مؤكداً أن تنفيذها لن يبدأ قبل اكتمال الانسحاب الأميركي وإقرار قانون الخدمة والتقاعد، وأن أي حديث عن ترتيبات مختلفة قبل تحقق الشرطين لا يعكس التفاهمات السياسية القائمة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تحرك داخل الإطار التنسيقي لتسريع تمرير قانون الخدمة والتقاعد لمنتسبي هيئة الحشد الشعبي قبل نهاية أيلول/سبتمبر المقبل، أي قبل الموعد المقرر لاكتمال مهمة التحالف الدولي في العراق.
وكشف مصدر في الإطار عن توافق بين زعامات (البيت الشيعي) على حسم التعديلات الخاصة بالقانون وإعادته إلى مجلس النواب خلال الأيام المقبلة، بعد أن كان المشروع قد خضع للقراءة الأولى في عهد حكومة محمد السوداني قبل سحبه لإجراء تعديلات عليه.
وتشمل التعديلات معالجة الرتب والتدرج الوظيفي وحقوق القتلى والجرحى، وأوضاع المنتسبين الذين تجاوزوا السن القانونية للتقاعد، بمن فيهم رئيس الهيئة فالح الفياض الذي يرفض ترك منصبه رغم وصوله سن التقاعد القانوني منذ سنوات، فضلاً عن تحديد الهيكل التنظيمي للحشد وعدد الألوية وقياداتها.
كما تتضمن معالجة أوضاع من التحقوا بالحشد وشاركوا في معارك استعادة المدن من تنظيم داعش عام 2014 رغم أن أعمار بعضهم كانت دون السن القانونية آنذاك.
ومن المنتظر إحالة الصيغة المعدلة إلى لجنتي الأمن والدفاع والقانونية في مجلس النواب لاستكمال الإجراءات التشريعية تمهيداً للتصويت عليها.
من (حصر السلاح) إلى (إدارته)
التطور الجديد يعزز ما كانت (سدن) قد أشارت إليه في تقاريرها السابقة بشأن التحول التدريجي في استراتيجية الفصائل من (نزع السلاح) أو (حصره) إلى (إدارته)، وهي صيغة تسمح بإعادة ترتيب السلاح من دون إخراجه بالكامل من البيئة العسكرية المرتبطة بالحشد الشعبي، وهو ترتيب يضع ملف السلاح الذي جعله رئيس الوزراء علي الزيدي واحداً من أبرز أولويات حكومته أمام تسوية مختلفة عن الصيغة التي طُرحت في البداية، فالسلاح، وفق التفاهم الجديد، قد يخرج من مخازن الفصائل، لكنه لن يذهب بعيداً عنها مؤسسياً، بل سينتقل إلى مخازن الهيئة التي تنتمي إليها أو ترتبط بها غالبية تلك الفصائل.
وبين (تسليم السلاح) و(إدارة السلاح) تبدو المعركة السياسية في بغداد وقد انتقلت، مؤقتاً على الأقل، من سؤال متى تسلم الفصائل سلاحها؟ إلى سؤال أكثر دقة: لمن ستسلمه، ومن سيملك قرار استخدامه بعد ذلك؟