العراق يخفض قيمة الدينار..
لماذا اختارت بغداد الدولار بـ1520 ومن سيدفع الثمن؟

العراق يخفض قيمة الدينار..
لماذا اختارت بغداد الدولار بـ1520 ومن سيدفع الثمن؟
حجم الخط

بغداد - سدن

دخل العراق الأربعاء، مرحلة نقدية جديدة بعد قرار الحكومة والبنك المركزي خفض قيمة الدينار أمام الدولار، في أول تعديل رسمي لسعر الصرف منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وسط ضغوط مالية متصاعدة ناجمة عن تراجع الإيرادات النفطية واضطراب طرق تصدير الخام، واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية.

وبموجب القرار الذي بدأ تطبيقه اليوم 7 تشرين الأول 2026، أصبح سعر شراء الدولار من وزارة المالية 1500 دينار، وسعر بيعه إلى المصارف 1510 دنانير، فيما حدد سعر البيع النقدي للجمهور عند 1520 ديناراً للدولار، مقارنة بسعر 1320 ديناراً الذي كان معمولا به للمستفيد النهائي منذ شباط 2023.

وبلغة الأرقام البسيطة، فإن المواطن الذي كان يحتاج إلى 132 ألف دينار للحصول على 100 دولار بالسعر الرسمي، بات يحتاج إلى 152 ألف دينار، أي بزيادة تبلغ 20 ألف دينار لكل مئة دولار، أما من زاوية قيمة العملة نفسها، فإن الانتقال من 1320 إلى 1520 يعني انخفاض القوة الخارجية للدينار أمام الدولار بنحو 13.2 في المئة، بينما ارتفع سعر الدولار مقوما بالدينار بنحو 15.2 في المئة.

لماذا الآن؟

القرار لا يبدو إجراء نقديا منفصلا عن الأزمة التي واجهتها المالية العراقية خلال الأشهر الماضية، فالعراق ما زال يعتمد على النفط في تأمين الغالبية الساحقة من إيرادات الدولة والعملات الأجنبية، ولذلك فإن أي اضطراب كبير في الصادرات يتحول بسرعة إلى مشكلة في الموازنة والسيولة وقدرة الدولة على تمويل نفقاتها بالدينار.

وخلال الأشهر الأخيرة، تعرضت صادرات العراق النفطية لضربة كبيرة نتيجة الحرب الإقليمية وتعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز، واضطرت بغداد إلى البحث عن مسارات بديلة، بينها نقل النفط براً عبر سوريا، وهي مسارات أكثر كلفة وأقل كفاءة من خطوط التصدير التقليدية، وتشير بيانات نقلتها (رويترز) إلى أن الصادرات العراقية انخفضت في آب إلى نحو 2.34 مليون برميل يوميا، بعدما كانت تدور حول 3.6 ملايين برميل يوميا قبل الاضطرابات.

وهنا تظهر إحدى أهم وظائف خفض قيمة الدينار بالنسبة إلى الخزانة العراقية، في تحويل الدولار النفطي الواحد إلى كمية أكبر من الدنانير، فالدولة التي تحصل على إيرادات النفط بالدولار وتنفق القسم الأكبر من مصروفاتها المحلية بالدينار، كانت تحصل، وفق سعر شراء وزارة المالية السابق البالغ 1300 دينار، على 1.3 تريليون دينار مقابل كل مليار دولار تحول إلى العملة المحلية، أما بالسعر الجديد البالغ 1500 دينار، فإن المليار دولار نفسه يولد 1.5 تريليون دينار.

أي أن الخزانة تحصل حسابيا على 200 مليار دينار إضافي مقابل كل مليار دولار من الإيرادات التي تحولها إلى الدينار، من دون زيادة دولار واحد في الإيرادات النفطية نفسها، وهذه هي العقدة الأساسية في القرار.

فخفض قيمة العملة يوفر للحكومة متنفسا ماليا بالدينار في وقت تحتاج فيه إلى تمويل فاتورة كبيرة من الرواتب والتقاعد والإنفاق التشغيلي والمشروعات، بينما تعرضت تدفقات الدولار النفطية إلى ضغوط غير معتادة.

وتأتي الخطوة بالتزامن مع أرقام موازنة ثقيلة، وبحسب (رويترز)، تتضمن مسودة الموازنة إنفاقا يبلغ نحو 217 تريليون دينار وعجزا يتجاوز 40 تريليون دينار، مع افتراض سعر نفط يبلغ 58 دولارا للبرميل وصادرات تقارب أربعة ملايين برميل يوميا، بما فيها صادرات إقليم كردستان.

الحكومة تربح دنانير أكثر.. لكن المواطن؟

الجانب الآخر من المعادلة أقل راحة، فالعراق اقتصاد مستورد بدرجة كبيرة، ولذلك فإن ارتفاع سعر الدولار الرسمي يعني أن استيراد السلع المقومة بالعملة الأميركية يصبح أغلى بالدينار، فالأدوية والمعدات والأجهزة الكهربائية والسيارات وقطع الغيار والمواد الغذائية المستوردة والمواد الأولية الداخلة في الصناعة، فضلا عن عشرات السلع والخدمات، يمكن أن تتأثر بدرجات متفاوتة.

وهذا لا يعني بالضرورة أن أسعار جميع السلع سترتفع بنسبة مساوية لتغيير سعر الصرف، لأن السعر النهائي يعتمد على مصدر السلعة، وهوامش التجار، والمخزون السابق، وكلفة النقل، ونسبة المكونات المستوردة، وسعر الدولار الذي كان المستورد يحصل عليه فعليا قبل القرار.

لكن الاتجاه العام واضح، بان الدولار الرسمي أصبح أغلى، وبالتالي ازدادت كلفة الاستيراد بالدينار.

وهنا تظهر المفارقة الاقتصادية للقرار، بحسب الباحث الاقتصادي عبدالرزاق العبيدي، فالحكومة تستطيع الحصول على دنانير أكثر من دولارات النفط، لكن صاحب الراتب الثابت يحصل على العدد نفسه من الدنانير، بينما تنخفض قيمتها تجاه السلع والخدمات المرتبطة بالدولار، ولهذا ستكون القضية الحقيقية خلال الأسابيع المقبلة ليست الرقم 1520 بحد ذاته، وإنما مقدار التضخم الذي سينتقل إلى الأسواق.

البنك المركزي: القرار سيدعم الصناعة

البنك المركزي العراقي من جهته قدم قراءة مختلفة للخطوة، ووصفها بأنها إجراء لتعزيز الاستقرار المالي، مؤكدا أن احتياطياته الأجنبية كافية لتلبية طلبات تمويل التجارة الخارجية، والبطاقات المصرفية، والدولار النقدي للمسافرين.

ويرى البنك أن تعديل سعر الصرف يمكن أن يخدم المنتج العراقي، لأن ارتفاع كلفة السلع المستوردة يمنح السلع المصنعة محليا قدرة أكبر على المنافسة، ويشجع الاستثمار في القطاعات الإنتاجية غير النفطية والمشاريع الصغيرة والمتوسطة.

وهذه الحجة صحيحة من حيث النظرية الاقتصادية - برأي الباحث العبيدي - فالعملة الأضعف تجعل الاستيراد أغلى، بينما تمنح الإنتاج المحلي حماية نسبية، لكن نجاحها في العراق يتوقف على سؤال أكبر، مفاده هل يمتلك الاقتصاد المحلي قدرة إنتاجية كافية للاستفادة من هذه الحماية؟

فإذا ارتفع سعر المستورد ولم يوجد بديل عراقي قادر على تعويضه، يتحول الأثر من تحفيز الصناعة إلى ارتفاع في الأسعار، أما إذا رافق القرار تسهيل حقيقي للاستثمار والإنتاج والطاقة والتمويل والجمارك، فقد تستفيد قطاعات عراقية من تراجع القدرة التنافسية للسلع الأجنبية.

السوق الموازية.. الاختبار الأصعب

المشكلة الثانية أن تحديد السعر الرسمي عند 1520 دينارا لا يعني أن الدولار سيتداول في الشارع بهذا السعر، فقبل القرار كان الدولار في السوق الموازية قد تجاوز في فترات حاجز 1600 دينار، وبعد الإعلان اليوم سجلت تقارير صحفية قفزة إلى أكثر من 1700 دينار للدولار، في رد فعل أولي اتسم بالقلق والمضاربة، وهذا يجعل الأسابيع المقبلة اختبارا مباشرا للبنك المركزي.

فإذا تمكن من توفير الدولار للتجارة والتحويلات والاستخدامات المشروعة بالسعر الجديد، يمكن أن تبدأ الفجوة بين الرسمي والموازي بالانكماش بعد امتصاص صدمة القرار.

أما إذا بقي الطلب على السوق الموازية مرتفعا، وظل الحصول على الدولار الرسمي مقيدا أو معقدا، فقد يتحول سعر 1520 إلى مجرد سعر إداري، بينما تتشكل الأسعار الحقيقية للسلع على أساس دولار أعلى في السوق.

والمفارقة أن البنك المركزي كان قد أكد في حزيران الماضي عدم وجود توجه لتغيير سعر الصرف، بل أعلن أن وثيقة متداولة آنذاك تتحدث عن رفع الدولار إلى 1600 دينار كانت مزورة، وبعد أقل من أربعة أشهر تغيرت الظروف، وجاء القرار الرسمي برفع سعر الدولار إلى 1520 دينارا.

ماذا يعني القرار للرواتب؟

لا يعني خفض الدينار أن راتب الموظف الاسمي سينخفض، فمن يتقاضى مليون دينار سيظل، لكن القيمة الحقيقية للراتب هي القضية.

فإذا أدى تعديل سعر الصرف إلى ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والملابس والأجهزة والنقل والخدمات، فإن المليون دينار سيشتري كمية أقل من السلع مما كان يشتريه سابقا، ومن هنا ستكون معدلات التضخم خلال الأشهر المقبلة المؤشر الأهم لقياس الكلفة الاجتماعية للقرار.

قرار مالي بقدر ما هو نقدي

رسميا، يقدم البنك المركزي تعديل سعر الصرف باعتباره خطوة تستهدف الاستقرار ودعم الإنتاج الوطني، وهي أهداف أعلنها البنك صراحة، لكن من الناحية المالية، يمنح السعر الجديد الحكومة ميزة فورية لا يمكن تجاهلها، فكل دولار يدخل الخزانة ويتحول إلى الدينار يوفر كمية أكبر من العملة المحلية اللازمة لتمويل النفقات، ولهذا يمكن قراءة القرار باعتباره خفضا لقيمة الدينار يحمل وظيفة مالية واضحة، وليس مجرد محاولة لملاحقة سعر السوق.

وقد وصف اقتصاديون تحدثوا إلى (رويترز) ان الخطوة تاتي استجابة لتعطل مبيعات النفط، أكبر مصادر إيرادات العراق، فيما أشارت الوكالة إلى أن خفض العملة يساعد الدولة في توليد دنانير أكثر من إيراداتها الدولارية، لكنه في المقابل يرفع كلفة الواردات ويضغط على القوة الشرائية.

والسؤال الذي سيحدد نجاح القرار لن يكون ما إذا كان سعر الدولار أصبح 1520 بدلا من 1320، فهذا أصبح أمرا واقعا، بل ماذا ستفعل الحكومة بالمساحة المالية التي وفرها خفض الدينار.

فإذا استخدمت الدنانير الإضافية فقط لتغطية تضخم الإنفاق الجاري والرواتب والعجز، فإن المواطن قد يجد نفسه أمام أسعار أعلى من دون تغيير جوهري في بنية الاقتصاد.

أما إذا استغلت الحكومة الظرف لإعادة ترتيب الإنفاق، وضبط العجز، وحماية الفئات الأقل دخلا، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وتمويل القطاعات المنتجة، فقد يصبح القرار جزءا من معالجة أوسع للاختلال المزمن في الاقتصاد العراقي.

العراق باختصار، لم يجعل الدولار أغلى فقط، بل أعاد توزيع جزء من كلفة أزمته المالية بين الخزانة والسوق والمواطن، فالخزانة حصلت فوراً على دنانير أكثر مقابل دولاراتها، أما مقدار ما سيدفعه العراقي من قدرته الشرائية، فستكشفه أسعار الأسواق خلال الأسابيع المقبلة.