قريب من دوائر القرار الأميركية: سيناريو اليمن سيتكرر في العراق ولبنان
واشنطن تريد إعطاء الحكومات.. لكنها لن تنتظر إلى ما لا نهاية

قريب من دوائر القرار الأميركية: سيناريو اليمن سيتكرر في العراق ولبنان
واشنطن تريد إعطاء الحكومات.. لكنها لن تنتظر إلى ما لا نهاية
حجم الخط

واشنطن - سدن

قال سياسي عراقي مقيم في الولايات المتحدة، وعلى صلة وثيقة بدوائر سياسية أمريكية، إن التطورات المتسارعة في اليمن لا ينبغي النظر إليها باعتبارها معركة يمنية منفصلة، مؤكداً أن ما يجري يمثل جزءاً من تحول إقليمي أوسع، يقوم على إعادة سلطة الدولة، وإنهاء قدرة الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران على العمل كقوى عسكرية مستقلة عن الحكومات.

وقال السياسي العراقي، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، في مقابلة خاصة مع (سدن)، إن "سيناريو اليمن، بصيغ مختلفة تتناسب مع طبيعة كل دولة، قد نراه في العراق ولبنان خلال المرحلة المقبلة".

وأضاف "لا أتحدث عن نسخ التجربة اليمنية حرفياً، فالعراق ليس اليمن، ولبنان ليس العراق، لكن المبدأ السياسي واحد: دولة واحدة، حكومة واحدة، ومؤسسات أمنية وعسكرية واحدة، ولا مكان على المدى الطويل لجيوش موازية تمتلك الصواريخ والطائرات المسيرة وتقرر الحرب والسلم بصورة مستقلة".

وعن العراق، قال السياسي العراقي إن انتهاء المهمة العسكرية الأميركية لا يعني، بحسب قراءته للموقف في واشنطن، انتهاء الاهتمام الأميركي بما يجري داخل العراق، بل قد يعني انتقال العلاقة إلى مرحلة مختلفة تكون فيها الحكومة العراقية أمام مسؤولية أكبر في ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة.

وأضاف/ "الحجة الأساسية التي استخدمتها الفصائل طوال السنوات الماضية كانت الوجود العسكري الأميركي، والآن انتهت المهمة العسكرية للتحالف، ولذلك فإن السؤال الأميركي والعراقي في الوقت نفسه سيكون بسيطاً: ما المبرر لبقاء هذه الترسانة خارج سيطرة القائد العام للقوات المسلحة؟".

وتابع، "واشنطن - بحسب ما أفهمه من الاتصالات والنقاشات هنا - لا تريد حرباً أهلية عراقية، ولا تريد أن ترى الجيش العراقي يقاتل في شوارع بغداد، فالأولوية هي أن تنجز الحكومة العراقية المهمة سياسياً وقانونياً وأمنياً وبأقل كلفة ممكنة".

لكنه أضاف أن "المشكلة ستبدأ عندما تقرر مجموعة مسلحة أنها أكبر من الدولة، وأن قرار الحكومة لا يسري عليها".

ورداً على سؤال لـ(سدن) بشأن وجود مهلة محددة أمام الحكومة العراقية، قال السياسي العراقي إن "الأميركيين لا يتحدثون دائماً بلغة المهل المعلنة، لكن هناك إدراكاً في واشنطن بأن ملف الفصائل لا يمكن أن يبقى مفتوحاً إلى الأبد".

وأضاف، "الحكومة العراقية ستُعطى المساحة الكافية لمعالجة الملف بنفسها، هذا هو الخيار الأفضل للعراق وللولايات المتحدة وللمنطقة، لكن الاعتقاد بأن العالم سيقبل إلى ما لا نهاية بوجود جماعات تمتلك صواريخ ومسيرات وقراراً عسكرياً مستقلاً داخل دولة ذات سيادة لم يعد واقعياً".

وأكد أن المرحلة المقبلة، في تقديره، ستكون مرحلة "اختبار إرادات داخل العراق"، موضحاً أن "الفصائل التي تقبل فعلاً بسلطة الدولة وتتحول إلى العمل السياسي ستكون جزءاً من النظام السياسي العراقي، أما الجماعات التي تصر على الاحتفاظ بهيكل عسكري مستقل فستضع نفسها في مواجهة متصاعدة مع الدولة".

وماذا عن لبنان؟

وبشأن لبنان، قال السياسي العراقي إن الظروف مختلفة، لكن السؤال نفسه سيظهر بصورة أكثر وضوحاً: "هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تستعيد سيادتها كاملة بينما يحتفظ حزب سياسي بقدرات عسكرية مستقلة عن الجيش؟.

وأضاف أن السيناريو الذي يتوقعه لا يبدأ بالضرورة بعمل عسكري، وإنما "بضغط سياسي واقتصادي ودبلوماسي متصاعد لمنح الدولة اللبنانية فرصة لمعالجة الملف داخلياً".

وقال، "إذا نجحت الدولة، سيكون ذلك أفضل سيناريو للجميع، أما إذا فشلت، أو مُنعت من ممارسة سلطتها، فإن مستوى الضغط الخارجي سيرتفع".

اليمن رسالة وليس نموذجاً حرفياً

وسألته (سدن): هل يعني ذلك أن مشاهد العمليات العسكرية الجارية في اليمن يمكن أن تنتقل إلى العراق؟

أجاب: "لا.. وهذه نقطة مهمة جداً، فمن الخطأ انتظار دبابات وطائرات ونسخة مطابقة لما يجري في اليمن.. العراق يمتلك دولة ومؤسسات وجيشاً وأجهزة أمنية، والمطلوب أمريكياً، كما أفهم، أن تقوم هذه الدولة بمهمتها بنفسها".

وأضاف: "اليمن ليس نموذجاً عسكرياً جاهزاً للتصدير، لكنه رسالة سياسية: المجتمع الدولي والقوى الإقليمية لم تعد مستعدة للتعامل مع الجماعات المسلحة الموازية باعتبارها أمراً دائماً لا يمكن تغييره".

إيران بعد خسارة أوراقها الإقليمية

ورأى السياسي العراقي أن التطورات التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الثلاثة الماضية أضعفت قدرة طهران على المحافظة على شبكة حلفائها الإقليميين بالشكل الذي كانت عليه سابقاً.

وقال: "إيران بنت طوال سنوات منظومة تعتمد على جماعات مسلحة تعمل خارج البنية التقليدية للدول، وهذه المنظومة تواجه اليوم ضغوطاً غير مسبوقة، ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست شيعية أو سنية، ولا ينبغي السماح لأحد بتحويلها إلى مواجهة طائفية، القضية تتعلق بمن يمتلك السلاح ومن يقرر الحرب والسلم".

وأضاف: "في العراق تحديداً، يجب ألا يتحول حصر السلاح إلى صراع بين مكونات، فالعراقي الشيعي قبل غيره له مصلحة في دولة قوية، وكذلك السني والكردي والمسيحي وبقية العراقيين".

ماذا لو رفضت الفصائل؟

وعن السيناريو الأصعب، أي رفض بعض الجماعات المسلحة بصورة نهائية تسليم سلاحها، قال السياسي العراقي إن "هذا هو السؤال الذي تحاول بغداد وواشنطن تجنب الوصول إليه".

وأضاف: "ستكون هناك – باعتقادي - مراحل حوار، وضغوط سياسية، وإجراءات مالية وقانونية، وعزل للجماعات الرافضة، ومنح فرص للاندماج في المؤسسات الرسمية.. لا أحد عاقل يبدأ بالخيار العسكري".

لكنه تابع: "في نهاية المطاف لا يمكن أن تكون هناك دولتان داخل دولة واحدة، وإذا وصلت الأمور إلى لحظة يصبح فيها السلاح الموازي تحدياً مباشراً لسلطة الحكومة، فإن أي حكومة ستكون مضطرة إلى فرض القانون".

راقبوا الأشهر المقبلة

وفي ختام حديثه مع (سدن)، قال السياسي العراقي إن المنطقة تدخل مرحلة مختلفة جذرياً عن السنوات التي أعقبت 2003، وإن التطورات في اليمن ينبغي قراءتها إلى جانب التحولات في العراق ولبنان، وليس باعتبارها ملفات منفصلة تماماً.

وأضاف: "راقبوا الأشهر المقبلة.. فالسؤال لم يعد ما إذا كانت الدولة ستطالب باحتكار السلاح، فهذا أصبح أمراً معلناً، والسؤال الحقيقي هو: ماذا سيحدث مع الجماعات التي تقول للدولة إنها لن تسلم سلاحها؟".

وختم بالقول: "أعتقد أن الجواب سيظهر أولاً من داخل هذه الدول نفسها، واليمن يقدم اليوم صورة شديدة الوضوح عن وصول التعايش بين الدولة والسلاح الموازي إلى طريق مسدود، لكن العراق ولبنان سيكتبان نسختيهما بطريقتهما الخاصة".