تفكيك

(الشعاع الحديدي)..
لماذا تضيف إسرائيل الليزر إلى (القبة الحديدية)؟

لندن - سدن
11 سبتمبر 2026
(الشعاع الحديدي)..
لماذا تضيف إسرائيل الليزر إلى (القبة الحديدية)؟

لندن – سدن

بعد خمسة عشر عاماً من دخول (القبة الحديدية) الخدمة، تستعد إسرائيل لإضافة سلاح مختلف إلى شبكة دفاعها الجوي، وهذه المرة، لا يتعلق الأمر بصاروخ أسرع أو رادار أبعد مدى، بل بحزمة ضوئية عالية الطاقة يفترض أن تحرق الهدف في السماء خلال ثوانٍ.

إنه نظام الشعاع الحديدي Iron Beam، المعروف إسرائيلياً باسم (أور إيتان)، والذي تراهن عليه تل أبيب لمعالجة واحدة من أكثر مشكلات الدفاع الجوي إلحاحاً، المتمثلة بكيفية إسقاط طائرة مسيرة أو صاروخ رخيص من دون استهلاك صاروخ اعتراضي باهظ الثمن في كل مرة.

وبحسب تقرير لموقع (واي نت) الإسرائيلي، فإن المنظومة الليزرية لا تأتي لتحل محل «القبة الحديدية»، وإنما لتعمل معها ضمن شبكة واحدة تستطيع أن تقرر، خلال ثوانٍ، ما إذا كان الهدف القادم يستحق صاروخاً اعتراضياً أم يمكن إسقاطه بالليزر.

معضلة القبة الحديدية

دخلت (القبة الحديدية) تاريخ العمليات العسكرية الإسرائيلية في 7 نيسان/أبريل 2011، عندما اعترضت صاروخ (غراد) أطلق من قطاع غزة باتجاه عسقلان، ومنذ ذلك الحين، أصبحت إحدى أشهر منظومات الدفاع الجوي في العالم.

وتعتمد المنظومة على ثلاث حلقات مترابطة، رادار يرصد المقذوف، ونظام قيادة وتحكم يحسب مساره ونقطة سقوطه المحتملة، وصواريخ اعتراضية تتولى تدميره إذا تبين أنه يشكل خطراً على منطقة مأهولة أو منشأة حيوية.

أما المقذوفات التي يتوقع سقوطها في مناطق مفتوحة، فتترك عادة من دون اعتراض.

هذه الآلية وفرت على إسرائيل آلاف الصواريخ الاعتراضية، لكنها لم تحل المشكلة الأساسية، فالاعتراض نفسه مكلف، والمهاجم يستطيع استخدام وسائل أرخص بكثير لإرهاق شبكة الدفاع.

وهكذا تحولت المسألة من منافسة عسكرية فقط إلى معادلة اقتصادية أيضاً، فإذا كان بالإمكان إطلاق مسيرة منخفضة الكلفة وإجبار الطرف الآخر على استخدام صاروخ اعتراضي أكثر كلفة، فإن استمرار الهجمات بأعداد كبيرة يفرض ضغطاً على مخزونات الدفاع الجوي، حتى عندما تكون نسبة الاعتراض مرتفعة.

وبحسب (واي نت)، فقد نفذت (القبة الحديدية) أكثر من عشرة آلاف عملية اعتراض منذ دخولها الخدمة، فيما توسعت قدراتها تدريجياً من مواجهة الصواريخ القصيرة المدى وقذائف الهاون إلى التعامل مع تهديدات أخرى، بينها المسيرات وصواريخ كروز.

كما طورت إسرائيل نسخة بحرية من المنظومة باسم (سي دوم)، نشرت على سفن (ساعر 6)، وسجلت أول اعتراض عملياتي لها في نيسان/أبريل 2024، لكن كثافة الحروب الحديثة وانتشار المسيرات الرخيصة أعادا طرح سؤال بان هل يجب أن يكون لكل هدف في السماء صاروخ مقابل؟

هنا يدخل الليزر

(الشعاع الحديدي) يحاول تغيير هذه المعادلة.. فالمنظومة لا تطلق ذخيرة باتجاه الهدف، فبعد اكتشاف التهديد وتعقبه، توجه إليه حزمة ليزر عالية الطاقة، وتحافظ على تركيزها على نقطة محددة من هيكله لعدة ثوان، إلى أن تؤدي الحرارة المتراكمة إلى إتلافه أو تعطيله.

وتستخدم المنظومة تقنيات (البصريات التكيفية) لتقليل أثر التشوهات الجوية على الشعاع والحفاظ على تركيز الطاقة على جسم يتحرك بسرعة في السماء، وفي حال نجاحها بالفعالية المطلوبة، تصبح الذخيرة الأساسية للمنظومة هي الكهرباء.

وهذا فارق جوهري.. فبدلاً من استهلاك صاروخ اعتراضي في كل اشتباك، يمكن نظرياً تنفيذ سلسلة من الاعتراضات بكلفة هامشية أقل كثيراً، ما دامت المنظومة تمتلك الطاقة الكافية، ويمكنها رؤية الهدف وتعقبه والمحافظة على الشعاع مركزاً عليه.

صاروخ أم ليزر؟

بحلول حزيران/يونيو 2026، أجريت اختبارات لدمج (الشعاع الحديدي) و(القبة الحديدية) ضمن منظومة موحدة لإدارة المعركة، وهذا الدمج ربما يكون أهم من الليزر نفسه، فالفكرة ليست إنشاء منظومتين تعملان بصورة منفصلة، وإنما بناء شبكة تقرر وسيلة القتل الأنسب لكل هدف، فإذا كانت الظروف الجوية جيدة، والهدف ضمن المدى المناسب، والمسار يسمح باستخدام الليزر، يمكن أن يتولى (الشعاع الحديدي) المهمة.

أما إذا كان الهدف خارج ظروف التشغيل المثالية لليزر، أو كانت الغيوم والدخان والغبار والأمطار تعيق الشعاع، فيبقى الصاروخ الاعتراضي الخيار المتاح، وبذلك تحاول إسرائيل بناء ما يشبه اقتصاداً للاعتراض، في عدم استخدام الوسيلة الأغلى عندما تستطيع الوسيلة الأرخص إنجاز المهمة.

لماذا لا ينتهي عصر الصواريخ الاعتراضية؟

رغم الصورة المستقبلية التي تحيط بأسلحة الليزر، فإن الفيزياء تضع حدوداً واضحة لها، فالليزر ليس صاروخاً سحرياً يصيب أي شيء في أي ظرف، كما ان الغبار والدخان والضباب والسحب الكثيفة والأمطار والعواصف الرملية يمكن أن تؤثر في انتقال الطاقة وتركيز الشعاع، بالإضافة الى ان النظام يحتاج إلى خط رؤية مناسب وإلى إبقاء الحزمة موجهة نحو الهدف فترة كافية لإحداث الضرر المطلوب، وهذا يصبح أكثر تعقيداً عند التعامل مع أعداد كبيرة من الأهداف في الوقت نفسه، لذلك لا تنظر إسرائيل إلى (الشعاع الحديدي) باعتباره نهاية (القبة الحديدية)، بل كطبقة جديدة تضاف إليها.

من (القبة) إلى شبكة كاملة

الدفاع الجوي الإسرائيلي لم يعد يعتمد على منظومة واحدة، فالفكرة الأساسية تقوم على تقسيم التهديدات وفق المدى والارتفاع والنوع، ثم تخصيص وسيلة اعتراض لكل طبقة، وفي أسفل هذه الشبكة تقريباً تعمل القبة الحديدية ضد التهديدات الأقصر مدى، بينما تتولى منظومات أخرى اعتراض التهديدات الأبعد والأعلى.

اختبار الحرب

تقول إسرائيل إن تطوير الليزر انتقل على مراحل من المختبرات إلى الاختبارات الميدانية، ففي عام 2022 أعلنت نجاح نموذج تجريبي في اعتراض صواريخ وقذائف هاون وطائرات مسيرة وصواريخ مضادة للدروع، وفي 2025 أُجريت تجارب إضافية على النسخة التشغيلية، قبل تسليم أول منظومة إلى الجيش الإسرائيلي في كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، بحسب (واي نت).

ويذهب التقرير أبعد من ذلك، إذ يقول إن أنظمة ليزر إسرائيلية اعترضت عشرات التهديدات الجوية خلال الحرب، ويصف ذلك بأنه أول استخدام ناجح من نوعه في ظروف قتالية.

ماذا يتغير إذا نجح (الشعاع الحديدي)؟

القيمة الاستراتيجية للنظام لن تكون في كونه (سلاح ليزر) بحد ذاته، بل في قدرته على تغيير حسابات الاستنزاف، فقد كانت الحروب السابقة، تواجه التفاوت بين كلفة بعض المقذوفات والمسيرات المهاجمة وكلفة اعتراضها، وإذا استطاع الليزر تولي جزء معتبر من الأهداف الأرخص والأكثر عدداً، يمكن الاحتفاظ بالصواريخ الاعتراضية للأهداف التي لا يستطيع الليزر التعامل معها.

وبذلك تصبح (القبة الحديدية) و(الشعاع الحديدي) منظومتين متكاملتين، حيث الأولى توفر المرونة والقدرة على العمل في ظروف لا تناسب الليزر، والثانية تحاول خفض كلفة الاشتباك وتقليل استنزاف مخزون الصواريخ.

شارك المقال f 𝕏 in