لندن – سدن
لم تعد مغامرات الميليشيات العراقية المسلحة شأناً داخلياً يدفع العراقيون وحدهم ثمنه، فحين تنطلق طائرات مسيرة من الأراضي العراقية لضرب منشآت حيوية في دولة عربية مجاورة، يصبح السلاح الخارج عن الدولة عبئاً مباشراً على سيادة العراق نفسه، ويضع بلداً بأكمله أمام تبعات قرار لم تتخذه حكومته ولا مؤسساته الدستورية.
الهجوم الذي استهدف خط أنابيب النفط السعودي (شرق – غرب) في منطقتي الرياض والمدينة المنورة بمسيرات قادمة من العراق، وما أسفر عنه من إصابات بشرية وأضرار مادية، فجر موجة إدانات عربية وإقليمية واسعة، ترافقت مع رسالة تكاد تكون مشتركة في معظم البيانات: لا يجوز أن تتحول الأراضي العراقية إلى منصة للاعتداء على دول الجوار.
وجاءت الإدانات في وقت اختارت فيه الرياض عدم الرد في هذه المرحلة، استجابة لطلب الحكومة العراقية منحها الفرصة لاتخاذ إجراءات تمنع الاعتداءات المنطلقة من أراضيها، وهو ما نقل جانباً كبيراً من الضغط السياسي والأمني إلى بغداد لملاحقة الجهات المسؤولة ومنع تكرار الهجوم.
الخليج: دعم للسعودية ورسالة مباشرة إلى بغداد
قطر أدانت استهداف المنشآت المدنية والاقتصادية، ووصفته بأنه انتهاك صارخ للقانون الدولي وتصعيد خطير يهدد أمن المنطقة واستقرارها، مثمنة في الوقت نفسه ما وصفته بالنهج المسؤول للسعودية في دعم جهود الحكومة العراقية لمنع استخدام أراضيها للاعتداء على المملكة ودول الجوار.
والبحرين ذهبت إلى موقف مماثل، معتبرة الهجوم اعتداءً على منشآت مدنية حيوية يمس أمن إمدادات الطاقة، ومؤكدة أن أمن السعودية واستقرارها جزء لا يتجزأ من أمن البحرين، كما شددت على ضرورة عدم استخدام أراضي أي دولة منطلقاً للاعتداء على جيرانها، ودعت المجتمع الدولي إلى التصدي للهجمات التي تهدد أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي.
والكويت وصفت الهجوم بأنه انتهاك لسيادة المملكة وخرق للقانون الدولي ومساس بأمن إمدادات الطاقة، وطالبت الحكومة العراقية باتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان عدم استخدام أراضي العراق منطلقاً لمثل هذه العمليات ومنع تكرارها.
أما الإمارات فأدانت بأشد العبارات استهداف خط الأنابيب بالمسيرات القادمة من الأراضي العراقية، وعدت الهجوم انتهاكاً صارخاً لسيادة السعودية وتهديداً لأمنها واستقرارها، مؤكدة تضامنها الكامل معها.
وسلطنة عُمان، التي شددت بدورها على رفض استهداف المنشآت الحيوية والمدنية، دعت إلى احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وتجنب كل ما يهدد أمن المنطقة، مع الدعوة إلى ضبط النفس واللجوء إلى الوسائل السياسية والدبلوماسية لمنع مزيد من التصعيد.
مجلس التعاون: على بغداد أن تفعل المزيد
الموقف الأكثر مباشرة تجاه العراق جاء من الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي، الذي وصف الهجوم بأنه تصعيد خطير وتهديد مرفوض لأمن المملكة وسلامة منشآتها الحيوية.
وطالب البديوي الحكومة العراقية ببذل المزيد من الجهود واتخاذ إجراءات حازمة لمنع استخدام أراضيها منطلقاً للاعتداءات على السعودية والعمل على وقفها ومنع تكرارها، مجدداً وقوف دول المجلس مع المملكة في الإجراءات التي تتخذها لحماية أراضيها ومنشآتها ومواطنيها.
وهذه الإشارة تحمل ثقلاً سياسياً يتجاوز الإدانة التقليدية، إذ انتقلت بيانات خليجية عدة من التضامن مع الرياض إلى تحميل بغداد مسؤولية عملية عن ضمان ألا تصبح الأراضي العراقية ممراً للمسيرات والسلاح العابر للحدود.
من عمّان والقاهرة إلى دمشق وبيروت
الأردن وصف الهجوم بأنه انتهاك سافر لسيادة السعودية وتهديد لأمنها واستقرارها وخرق للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، مؤكداً تضامنه المطلق مع الرياض ودعمه الإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها ومقدراتها.
وفي القاهرة، أدانت الخارجية المصرية الهجمات بأشد العبارات، ورأت فيها انتهاكاً للقانون الدولي وعملاً يقوض أمن المنطقة واستقرارها، مؤكدة وقوف مصر إلى جانب السعودية في مواجهة ما يهدد أمنها وسيادتها وسلامة أراضيها.
كما أدانت سوريا الهجوم بـ"أشد العبارات"، ووصفته بأنه خرق للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، مؤكدة تضامن دمشق مع الرياض في إجراءات حماية أمنها واستقرارها.
وفي لبنان، وصف الرئيس جوزيف عون استهداف خط الأنابيب بأنه اعتداء آثم على مقدرات المملكة وأمنها الوطني ومحاولة للعبث باستقرار المنطقة وتهديد مصالح شعوبها، داعياً المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته تجاه الاعتداءات التي تهدد أمن الطاقة العالمي.
كما أعلنت فلسطين تضامنها الكامل مع المملكة، فيما أدانت ليبيا وموريتانيا الهجمات وشددتا على رفض استهداف المنشآت المدنية والحيوية وتهديد أمن إمدادات الطاقة.
تركيا وباكستان: الإشادة بضبط النفس السعودي
تركيا أدانت بأشد العبارات الهجمات التي نُفذت بمسيرات قادمة من الأراضي العراقية، وأكدت دعمها لسيادة السعودية ووحدة أراضيها، مشيدة في الوقت نفسه بما وصفته بموقف الرياض المتسم بضبط النفس وعدم دفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد.
كما أدانت باكستان الهجمات، واعتبرت استهداف البنية التحتية المدنية انتهاكاً للقانون الدولي ولسيادة المملكة وسلامة أراضيها وتهديداً خطيراً للأمن الإقليمي، مؤكدة دعمها الثابت للسعودية.
وانضمت رابطة العالم الإسلامي والبرلمان العربي واتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي إلى موجة الإدانات، مع تأكيد حق المملكة في حماية سيادتها ومنشآتها ورفض استخدام القوة ضد المنشآت المدنية والحيوية.
ان اتساع دائرة الإدانات يكشف أن تداعيات الهجوم تجاوزت الأضرار التي لحقت بخط أنابيب سعودي، فالمشكلة التي تواجه بغداد اليوم هي أن سلاحاً لا يخضع بصورة كاملة لقرار الدولة بات قادراً على إنتاج أزمة خارجية باسم العراق، وتعريض مصالحه وعلاقاته العربية وحتى أمنه الداخلي لعواقب قرارات تتخذها جماعات مسلحة خارج المؤسسات الدستورية، والأشد خطورة أن الهجوم استهدف منشأة مرتبطة بأمن الطاقة، ما يمنح أي عملية مشابهة مستقبلاً بعداً يتجاوز العلاقات العراقية - السعودية إلى مصالح دول وأسواق وشركات تعتمد على استقرار تدفقات النفط.
ضبط النفس السعودي منح الحكومة العراقية مساحة للتحرك قبل اتساع دائرة المواجهة، لكنه وضعها في الوقت نفسه، أمام اختبار سيادي واضح، يتمثل في تحديد المسؤولين عن إطلاق المسيرات ومحاسبتهم، وإغلاق البنية التي تسمح بتنفيذ عمليات عسكرية عابرة للحدود من داخل العراق.