واشنطن - سدن
ليست كل الأزمات الاقتصادية صاخبة، فبعضها يبدأ في شاشة تداول لا يلتفت إليها المواطن العادي، ثم ينتقل ببطء إلى الموازنة العامة، وبعد ذلك إلى الضرائب والخدمات وأسعار الرهن العقاري وقدرة الشركات على الاستثمار، وهذا بالضبط ما يجعل موجة البيع الجديدة في أسواق السندات العالمية تطوراً يتجاوز اهتمام المتعاملين في وول ستريت، إذ أفادت (رويترز) اليوم، بأن العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل ثلاثين عاماً صعد إلى أعلى مستوياته منذ أكثر من عقدين، في وقت امتدت فيه الضغوط إلى أسواق دين أخرى، بينما أصبحت نسبة الخمسة في المئة تقريباً نقطة نفسية واقتصادية شديدة الأهمية بالنسبة إلى المستثمرين في الدين الأميركي طويل الأجل.
ولفهم أهمية ذلك ينبغي العودة إلى السنوات التي أعقبت الأزمة المالية العالمية، حين أصبحت الفائدة شديدة الانخفاض جزءاً شبه طبيعي من الاقتصاد المتقدم، فالحكومات استطاعت الاقتراض بكلفة زهيدة، والشركات أصدرت السندات بسهولة، والمستثمرون الذين لم يجدوا عائداً مناسباً في الدين الحكومي اندفعوا إلى الأسهم والعقارات والأصول الأكثر مخاطرة، ثم جاءت جائحة كورونا فوسعت الدين العام أكثر لأن الحكومات احتاجت إلى تمويل برامج إنقاذ هائلة، وكان الافتراض الضمني أن القدرة على خدمة هذا الدين ستبقى مريحة ما دامت أسعار الفائدة منخفضة، إلا أن التضخم الذي أعقب الجائحة، ثم أزمات الطاقة والحروب وزيادة الإنفاق الدفاعي والصناعي، أعادت تكلفة المال إلى المشهد، وهنا بدأت الديون القديمة التي بدت رخيصة حين صدرت تتحول إلى مشكلة عند حلول موعد إعادة تمويلها.
والأثر لا يقع دفعة واحدة، وهذه نقطة أساسية، إذ إن الدولة لا تعيد تمويل جميع سنداتها صباح يوم واحد، وإنما تستحق أجزاء من الدين تدريجياً، وعندما ينتهي سند كانت الحكومة تدفع عليه فائدة اثنين في المئة وتضطر إلى استبداله بسند جديد بفائدة خمسة في المئة، فإن الفرق يدخل مباشرة في بند خدمة الدين، ثم يتكرر الأمر مع السند التالي والذي يليه، ولهذا تستطيع الأزمة أن تتراكم لسنوات قبل أن تظهر بكامل حجمها. وفي الولايات المتحدة تصبح المسألة أكثر حساسية بسبب ضخامة الدين والعجز، وفي أوروبا تواجه الحكومات في الوقت نفسه مطالب بزيادة الإنفاق الدفاعي والطاقة والبنية الأساسية، أما اليابان التي اعتادت عقوداً من الفائدة المنخفضة فتجد نفسها أمام تحول تدريجي في بيئة التمويل مع عودة التضخم والفائدة إلى اقتصادها، وهو ما يعني أن العالم المتقدم كله تقريباً يواجه السؤال ذاته: كيف يمول دولة أكثر كلفة في زمن أصبح فيه الاقتراض نفسه أكثر كلفة؟
والمفارقة أن الحكومات تحتاج إلى الإنفاق الآن تحديداً، فالتحول في الطاقة يحتاج إلى شبكات كهرباء ومحطات وتخزين، والذكاء الاصطناعي يحتاج إلى بنية تحتية هائلة، والدفاع الأوروبي يحتاج إلى مصانع وذخائر، والشيخوخة السكانية ترفع فاتورة الصحة والتقاعد، بينما تتطلب المنافسة الصناعية مع الصين دعماً للاستثمار المحلي، أي أن العودة إلى المال المكلف جاءت في اللحظة التي انتهى فيها تقريباً زمن الدولة الرخيصة، ومن هنا تتغير السياسة نفسها، لأن الوعود الانتخابية التي تجمع بين خفض الضرائب وزيادة الإنفاق تصبح أكثر صعوبة حين تستطيع سوق السندات أن ترفع تكلفة تمويلها سريعاً، وهو ما لا يعني أن الأسواق تحكم الديمقراطية، لكنه يعني أن الحساب المالي الذي أمكن تجاهله في عصر الفائدة الصفرية عاد ليضع حدوداً أكثر صرامة أمام الحكومات.
كما أن ارتفاع العوائد لا يحمل تفسيراً واحداً، فقد يعكس توقعات التضخم، أو مخاوف بشأن حجم الدين، أو زيادة عرض السندات، أو رغبة المستثمر في الحصول على تعويض أكبر مقابل تجميد أمواله لثلاثين عاماً، ولهذا فإن القفزة في العائد الأميركي لا تعني أن الأسواق تتوقع إفلاس الولايات المتحدة، وهو سيناريو مختلف تماماً، لكنها تعني أن المستثمر لم يعد مستعداً لإقراض الحكومة الأميركية طويل الأجل بالشروط السخية التي اعتادها في العقد الماضي، وهذه النقطة تصبح أكثر وضوحاً حين نقارن العائد الحالي بعائد السندات القصيرة، فالمستثمر الذي يربط أمواله لعقود يحتاج إلى تعويض عن التضخم وعدم اليقين والسياسة المالية، وكلما زاد الغموض ارتفع السعر الذي يطلبه.
أما بالنسبة إلى المواطن، فإن المسافة بين سوق السندات وحياته اليومية أقصر مما تبدو، لأن عوائد الدين الحكومي تشكل مرجعاً لتسعير كثير من القروض، ومن ثم تستطيع الفائدة الطويلة المرتفعة أن ترفع كلفة الرهن العقاري وتمويل الشركات والاستثمارات، كما أن الحكومة التي تنفق أكثر على خدمة الدين قد تضطر إلى خفض إنفاق آخر أو رفع الضرائب أو قبول عجز أكبر، ولذلك يصبح السؤال عن الدين في النهاية سؤالاً عن توزيع الموارد داخل المجتمع. وإذا استمر هذا الاتجاه، فستعود السياسة المالية إلى مركز النقاش العام بعد سنوات كانت فيها البنوك المركزية تبدو صاحبة الدور الأكبر في إدارة الاقتصاد.
وليس الحل بالضرورة تقشفاً شاملاً، لأن خفض الاستثمار المنتج من أجل خفض الدين قد يجعل الاقتصاد أصغر ويزيد المشكلة، فيما يمكن لاستثمار جيد في البنية الأساسية والتعليم والتكنولوجيا أن يرفع النمو ويجعل عبء الدين أسهل مستقبلاً، ولهذا يصبح التمييز بين الدين الذي يمول الاستهلاك الجاري والدين الذي يخلق قدرة إنتاجية جديدة أكثر أهمية، فالحكومة تستطيع أن تقترض لبناء شبكة كهرباء يحتاجها الاقتصاد لعقود، لكن نجاح القرار يعتمد على جودة المشروع وعائده، لا على مجرد وصفه بالاستثمار.
العالم إذاً لا يواجه أزمة سندات بالمعنى التقليدي بقدر ما يواجه نهاية مرحلة تاريخية اعتاد فيها السياسيون والشركات والمستثمرون أن المال يمكن أن يبقى رخيصاً زمناً طويلاً، ومع صعود العائد الأميركي الطويل إلى مستويات لم تُر منذ 2004، تقدم الأسواق تذكيراً قاسياً بأن الدين لا يختفي حين تكون فائدته منخفضة، بل ينتظر موعد إعادة تسعيره، وأن فاتورة السنوات السهلة تصل الآن تدريجياً إلى الموازنات التي بنت خططها على افتراض أن الاقتراض سيظل أرخص مما أصبح عليه.