تفكيك

أوروبا تبحث عن أصدقاء تجارة جدد..
الفلبين تكشف ولادة شبكة (القوى الوسطى)

لندن - سدن
25 سبتمبر 2026
أوروبا تبحث عن أصدقاء تجارة جدد..
الفلبين تكشف ولادة شبكة (القوى الوسطى)

لندن - سدن

في زمن كانت فيه العولمة تبدو مستقرة، كان اتفاق التجارة الحرة يقرأ غالباً من خلال الرسوم الجمركية وحجم الصادرات والاستثمارات المتوقعة، أما اليوم فقد أصبح الاتفاق التجاري وثيقة جيوسياسية أيضاً، ولهذا فإن التقدم بين الاتحاد الأوروبي والفلبين نحو اتفاق تجارة حرة يتجاوز قيمة التجارة الثنائية نفسها، إذ يأتي في وقت تحاول فيه بروكسل بناء شبكة أوسع من الشركاء في آسيا وأميركا اللاتينية لتقليل اعتمادها المفرط على القوى الكبرى، بينما تبحث مانيلا بدورها عن مساحة اقتصادية واستراتيجية أوسع وسط المنافسة الأميركية–الصينية.

وقد أفادت وكالة (اسوشيتيد برس) اليوم، بأن الطرفين حققا تقدماً مهماً، مع بقاء الاتفاق بحاجة إلى استكمال التفاوض والتصديق، فيما يبلغ حجم التجارة السنوية بينهما نحو ثلاثين مليار يورو وتحتل الإلكترونيات موقعاً بارزاً فيها.

فالاتحاد الأوروبي لا يريد فك الارتباط عن الصين، لأن حجم التجارة يجعل ذلك مكلفاً وغير واقعي، لكنه يتحدث منذ سنوات عن تقليل المخاطر، أي ألا تكون مادة أو مكون أو سوق حيوي معتمداً بدرجة تجعل أزمة سياسية واحدة قادرة على تعطيله، ومن هنا تأتي الاتفاقات مع دول جنوب شرق آسيا باعتبارها وسيلة لتنويع سلاسل التوريد والاستثمار، وقد سبقت الفلبين اتفاقات مع سنغافورة وفيتنام، فيما تجري مفاوضات مع دول أخرى في رابطة آسيان، وهو ما يعكس محاولة أوروبية لبناء حضور اقتصادي في المنطقة من دون مطالبة الدول بالاختيار الكامل بين بكين وواشنطن.

أما الفلبين فتملك أهمية خاصة بسبب موقعها الجغرافي وعلاقتها الأمنية بالولايات المتحدة ونزاعاتها البحرية مع الصين، لكن تحويل العلاقة الأوروبية معها إلى تجارة واستثمار يسمح لمانيلا بتنويع شركائها، وهو سلوك شائع لدى ما يسمى (القوى الوسطى) التي لا تريد أن تصبح تابعاً اقتصادياً أو سياسياً لقوة واحدة، وهذه الدول لا تملك حجم الولايات المتحدة أو الصين، لكنها تستطيع زيادة هامشها عبر تعدد العلاقات، وهو ما تفعله أيضاً دول مثل إندونيسيا وفيتنام والهند بدرجات مختلفة.

والإلكترونيات تجعل الاتفاق أكثر أهمية، لأن أوروبا تبحث عن مرونة في سلاسل الرقائق والمكونات، فيما تمتلك الفلبين قاعدة في التجميع والإلكترونيات يمكن تطويرها، وإذا أدت الاتفاقية إلى استثمارات جديدة فقد تنتقل أجزاء إضافية من الإنتاج إلى البلاد، لكن هذا لا يحدث تلقائياً، فالشركات تنظر أيضاً إلى الطاقة والبنية الأساسية والمهارات والاستقرار التنظيمي، ولذلك تصبح التجارة الحرة فرصة وليست ضماناً.

كما أن الاتفاقات الجديدة تختلف عن موجة العولمة السابقة في أنها تحمل شروطاً أكبر حول البيئة والعمل والاستدامة، وهو ما يمكن أن يرفع المعايير لكنه يخلق أيضاً خلافات حول ما إذا كانت أوروبا تستخدم قواعدها أحياناً بوصفها حواجز غير جمركية، ومن هنا فإن نجاح الشراكة يعتمد على قدرة بروكسل على تقديم استثمار ونفاذ حقيقي إلى السوق، لا مجرد قائمة من المتطلبات التي يصعب على الشركات الصغيرة في الدول النامية تنفيذها.

والتحول الأوسع هو أن العالم ينتقل من عولمة مركزها الكفاءة إلى عولمة توازن بين الكفاءة والمرونة، ففي النموذج القديم كان المصنع يبحث عن أرخص مورد موثوق، أما اليوم فيسأل أيضاً عن احتمال العقوبات والحرب والتوتر السياسي، ولذلك قد يقبل تكلفة أعلى مقابل مورد في دولة يعتبرها أقل عرضة للخطر، وهذا لا يعني نهاية التجارة العالمية، بل إعادة تنظيمها في شبكات أكثر تعدداً.

ويظهر الأمر بوضوح حين ننظر إلى أوروبا التي وجدت نفسها خلال سنوات قليلة أمام صدمة الغاز الروسي، ونقص بعض المكونات الآسيوية، وتوترات تجارية مع الولايات المتحدة والصين، فتعلمت أن الاعتماد الاقتصادي يمكن أن يتحول إلى نقطة ضغط، ومن هنا أصبحت اتفاقات التجارة جزءاً من سياسة الأمن الاقتصادي، وفي المقابل، تستطيع الفلبين استخدام اهتمام أوروبا لتحسين شروطها وجذب الاستثمار، بدلاً من حصر خياراتها بين السوق الصينية والتحالف الأميركي.

لكن بناء شبكة القوى الوسطى لن يلغي دور القوى الكبرى، فالصين ستبقى شريكاً تجارياً هائلاً لآسيا، والولايات المتحدة ستبقى قوة أمنية ومالية مركزية، والاتحاد الأوروبي نفسه قوة سوق وتنظيم، إلا أن الدول الأصغر تستطيع توزيع اعتمادها بينها، وكل اتفاق جديد يضيف خيطاً إلى شبكة تجعل الانقسام الكامل للعالم إلى معسكرين أقل سهولة.

ولهذا فإن الاتفاق الأوروبي - الفلبيني إذا اكتمل، سيكون مهماً ليس لأن ثلاثين مليار يورو ستغير الاقتصاد العالمي، بل لأنه يمثل الطريقة التي يحاول بها عدد متزايد من الدول حماية نفسها من عالم غير مستقر، حيث مزيد من الشركاء ومن الطرق، ومقدار أقل من الاعتماد على علاقة واحدة.. وفي عصر تستخدم فيه التجارة كسلاح، يصبح تنويع التجارة نفسه شكلاً من أشكال الدفاع.

شارك المقال f 𝕏 in