لندن - سدن
حين نتحدث عن تغير المناخ غالباً ما تتجه الصور إلى ذوبان الجليد وحرائق الغابات وارتفاع البحار، إلا أن أحد أكثر آثاره تعقيداً يحدث داخل العلاقة بين الإنسان والحشرة والطفيلي، وقد نشرت مجلة (الطبيعة) البريطانية، دراسة تستخدم أكثر من قرن من البيانات السريرية والمناخية لفهم الأثر الماضي والمستقبلي لتغير المناخ في ملاريا الأطفال في أفريقيا، وهي محاولة مهمة لأن المرض لا يستجيب للحرارة بطريقة خطية بسيطة، بل يعتمد على تفاعل درجة الحرارة والأمطار والرطوبة والارتفاع الجغرافي وكثافة البعوض والخدمات الصحية والوقاية والأدوية، أي أن المناخ لا يسبب الملاريا وحده لكنه يعيد رسم البيئة التي يستطيع المرض الانتقال داخلها.
والبعوض كائن شديد الحساسية للظروف البيئية، فالحرارة تؤثر في سرعة نمو الطفيلي داخله وفي دورة حياته، والأمطار تخلق أماكن تكاثر لكنها تستطيع أيضاً، إذا كانت شديدة، أن تجرف بعضها، بينما تحد البرودة من الانتقال في مناطق مرتفعة، ومن هنا فإن الاحترار قد يجعل مناطق كانت باردة نسبياً أكثر ملاءمة للمرض، فيما قد تصبح مناطق أخرى شديدة الحرارة أقل ملاءمة لبعض الأنواع، وهو ما يعني أن عبارة تغير المناخ يزيد الملاريا في كل مكان تبسيط غير دقيق، والأدق أن الخريطة تتحرك وتتغير مواسم الخطر.
وتأتي أهمية الدراسة من طول السجل المستخدم، لأن كثيراً من أبحاث المناخ والصحة تعتمد على عقود محدودة يصعب خلالها فصل أثر المناخ عن التحسن الصحي أو تغير السكان، بينما يسمح النظر إلى فترة أطول بفهم كيف تفاعلت الأوبئة مع تغير الظروف والوقاية والعلاج، كما يساعد في بناء نماذج أفضل للمستقبل، ومع ذلك تبقى النماذج مشروطة بما ستفعله الحكومات، فبلد يوسع توزيع الناموسيات والمبيدات والعلاج السريع يستطيع خفض المرض حتى في بيئة مناخية أكثر ملاءمة للبعوض، فيما تستطيع دولة ضعيفة الخدمات أن تشهد تفشياً حتى من دون تغير مناخي كبير.
وهذه النقطة مهمة لأنها تمنع الحتمية، فتغير المناخ ليس حكماً مسبقاً بأن ملايين الأطفال سيصابون، وإنما عامل يغير مستوى الصعوبة الذي تواجهه الأنظمة الصحية، ومن هنا تصبح المراقبة المبكرة أكثر أهمية، فإذا تحركت مناطق الانتقال إلى مرتفعات أو أقاليم لم تكن معتادة على الملاريا، فقد تكون المجتمعات هناك أقل خبرة والأطباء أقل استعداداً، كما قد تكون برامج مكافحة البعوض مصممة لخريطة قديمة.
وترتبط الملاريا أيضاً بالتنمية، لأن البيت المحمي وشبكات الصرف والرعاية الصحية والدخل والتعليم كلها تقلل الخطر، ولذلك فإن الدول التي تنمو تستطيع أن تكسر جزءاً من الرابط بين المناخ والمرض، بينما يظل الفقراء أكثر تعرضاً، وهي صورة تتكرر في معظم آثار المناخ الصحية، فالحرارة مثلاً لا تؤثر في الجميع بالتساوي، الشخص الذي يعمل في الخارج أو يعيش في منزل بلا تبريد أكثر تعرضاً من شخص يعمل في مكتب مكيف، وقد أكدت منظمة الصحة العالمية أن الإجهاد الحراري أصبح أحد أهم الأخطار البيئية والمهنية المرتبطة بالطقس.
بل إن أبحاثاً حديثة تشير إلى أن ظروف الإجهاد الحراري القاتلة قد تظهر عند مستويات أقل من الحد النظري الشهير لدرجة حرارة البصيلة الرطبة البالغ 35 درجة مئوية، وهو ما يغير طريقة التفكير في قدرة الجسم البشري على تحمل موجات الحر، خصوصاً حين تترافق الحرارة مع الرطوبة العالية، وهذا يجعل العلاقة بين المناخ والصحة أوسع من الأمراض المعدية، فهي تشمل القلب والكلى والعمل والنوم والصحة النفسية والحمل، أي أن المستشفى نفسه يصبح جزءاً من سياسة المناخ.
أما أفريقيا فتواجه مفارقة إضافية، إذ إن مساهمتها التاريخية في الانبعاثات أقل بكثير من مساهمة الاقتصادات الصناعية، لكنها أكثر تعرضاً لكثير من آثارها بسبب الجغرافيا والفقر وضعف البنية الصحية في بعض المناطق، ولذلك فإن تمويل التكيف لا ينبغي أن يفهم بوصفه عملاً بيئياً تجميلياً، وإنما استثماراً مباشراً في الصحة العامة، من نظم الإنذار المبكر إلى مكافحة البعوض وتحسين المياه والمساكن.
والدرس الذي تقدمه دراسة الملاريا هو أن تغير المناخ لا يصل إلى الإنسان دائماً على هيئة كارثة تلفزيونية واضحة، فقد يصل في صورة موسم بعوض أطول، أو قرية مرتفعة يظهر فيها المرض لأول مرة، أو طفل يحتاج إلى علاج لم يكن النظام الصحي يتوقعه، وهذه الآثار المتفرقة قد تكون أقل إثارة في الصورة لكنها ضخمة حين تتجمع عبر ملايين السكان.
لقد أمضى العالم عقوداً يتعامل مع المناخ بوصفه ملفاً للطاقة والبيئة، لكن العلم يدفعه الآن إلى التعامل معه بوصفه ملف صحة أيضاً، ومع اتساع البيانات التاريخية تصبح الصورة أكثر وضوحاً، فالمناخ لا يقرر وحده من يمرض، لكنه يغير الاحتمالات، والدولة التي تفهم أين تتحرك هذه الاحتمالات تستطيع أن تسبق المرض بدلاً من أن تنتظره، وهو بالضبط الفارق بين التكيف الذي يخطط له والأزمة التي تصل إلى المستشفى بعد فوات وقت الوقاية.