تفكيك

ماذا يقول صانعو الأحذية في العصر الفيكتوري
عن خوفنا من الذكاء الاصطناعي؟

لندن - سدن
25 سبتمبر 2026
ماذا يقول صانعو الأحذية في العصر الفيكتوري
عن خوفنا من الذكاء الاصطناعي؟

لندن - سدن

حين تبحث صحيفة (فايننشال تايمز)، في تاريخ صانعي الأحذية في العصر الفيكتوري لتسأل ما الذي يمكن أن تعلمنا إياه ماكينة الخياطة عن اضطراب الذكاء الاصطناعي، فإن المقارنة لا تهدف إلى القول إن كل ثورة تقنية تنتهي بالخير تلقائياً، وإنما إلى تصحيح صورة شائعة ترى أن الآلة حين تتولى مهمة بشرية فإن النتيجة المباشرة والدائمة يجب أن تكون اختفاء الوظيفة نفسها، فالتاريخ الصناعي أكثر تعقيداً من ذلك، إذ تستطيع التكنولوجيا أن تلغي مهام، وتخفض سعر المنتج، وتوسع الطلب عليه، وتخلق وظائف جديدة في أجزاء أخرى من السلسلة، فيما يتغير تعريف المهنة نفسها بدلاً من أن تختفي بالضرورة.

وكانت صناعة الأحذية مثالاً مناسباً لأن إدخال آلات الخياطة والتصنيع غير طريقة الإنتاج جذرياً، ومع ذلك لم يتحول جميع صانعي الأحذية إلى عاطلين، بل توسع السوق لأن الإنتاج أصبح أسرع وأرخص، ونشأت تخصصات ومهام جديدة، وإن لم يكن التحول مريحاً أو عادلاً لكل عامل، وهذه النقطة الأخيرة هي الأهم عند إسقاط التاريخ على الذكاء الاصطناعي، لأن الاقتصاد قد يستفيد في المحصلة بينما يخسر أفراد بعينهم، ومن هنا فإن عبارة (التكنولوجيا تخلق وظائف أكثر مما تدمر) لا تقدم عزاءً كبيراً لشخص في الخمسين فقد مهنته ولا يستطيع بسهولة الانتقال إلى الوظيفة الجديدة التي خلقت لشخص في الخامسة والعشرين.

والذكاء الاصطناعي يختلف أيضاً عن المكننة السابقة في أنه يدخل إلى المهن المعرفية بسرعة، فالمحاسب والمحامي والمترجم والمبرمج والمصمم والصحفي والطبيب جميعهم يستطيعون رؤية أجزاء من عملهم تتحول إلى مهام قابلة للأتمتة، وهذا يجعل القلق ينتقل من المصنع إلى المكتب، إلا أن المهنة في معظم الحالات ليست مهمة واحدة، بل حزمة من المهام، وبعضها أسهل في الأتمتة من غيره.

فالمحامي لا يقرأ الوثائق فقط، وإنما يتفاوض ويفهم العميل ويتحمل المسؤولية ويقرر الاستراتيجية، والطبيب لا يشخص الصورة فقط، وإنما يجمع التاريخ المرضي ويشرح المخاطر ويتعامل مع عدم اليقين، والصحفي لا يلخص المعلومات فقط، وإنما يختار ما يستحق أن يصبح خبراً ويتحقق ويواجه المصادر ويفهم السياق.

ومن هنا فإن السؤال الأكثر فائدة للشركات والعمال ليس هل سيأخذ AI هذه الوظيفة؟، وإنما أي أجزاء من هذه الوظيفة ستصبح أرخص أو أسرع، وماذا سيحدث للوقت الذي يتم توفيره؟، فإذا استخدمت المؤسسة التقنية لتقليل عدد العاملين فقط، فقد يتحول مكسب الإنتاجية إلى تسريح، أما إذا استخدمتها لزيادة الإنتاج أو تحسين الخدمة أو دخول أسواق جديدة، فقد يرتفع الطلب على العاملين حتى مع انخفاض الوقت المطلوب لكل مهمة، وهذا ما حدث في قطاعات تاريخية كثيرة، فحين انخفضت تكلفة المنتج ارتفع استهلاكه، لكن هذا الأثر ليس مضموناً في كل مهنة، خصوصاً إذا كان الطلب محدوداً.

كما أن التعليم يواجه مشكلة توقيت، إذ يمكن أن تتغير المهارات المطلوبة أسرع من المناهج، وقد حذر تقرير بريطاني حديث من أن المدارس تتأخر عن الطلاب في استخدام AI، مع غياب سياسات واضحة في عدد كبير من المؤسسات التعليمية، وهو ما يعني أن الجيل الجديد يستخدم التقنية بالفعل قبل أن تحدد المدرسة كيف ينبغي أن يتعلم بها ومن دونها، وهذه ليست مسألة غش فقط، لأن الطالب الذي يسلم كل مهمة إلى النموذج قد يصل إلى سوق العمل وهو يجيد استخدام الأداة لكنه لا يمتلك المعرفة التي تسمح له بالحكم على مخرجاتها، بينما الطالب الذي تمنعه المدرسة من استخدامها تماماً قد يتخرج إلى سوق يعتبرها أداة أساسية.

والحل لذلك لن يكون الاختيار بين AI في كل شيء ولا AI، وإنما إعادة تعريف المهارة البشرية، فكلما أصبحت كتابة المسودة الأولى أرخص، ارتفعت قيمة القدرة على الحكم والتحرير والتحقق، وكلما أصبحت البرمجة الروتينية أسرع، زادت أهمية فهم النظام وتصميمه، وكلما أصبحت المعلومات أسهل في الاسترجاع، أصبحت القدرة على معرفة أي معلومة تستحق الثقة أكثر قيمة، وهذا شبيه بما فعلته الآلة الحاسبة بالرياضيات، فهي لم تجعل تعلم الرياضيات بلا معنى، لكنها غيرت نوع الحساب الذي ينبغي للإنسان أن يقضي وقته فيه.

ولا ينبغي مع ذلك استخدام التاريخ لتطمين الناس بصورة كسولة، لأن التحولات الصناعية السابقة أنتجت عقوداً من الصراع وعدم المساواة قبل أن تظهر فوائدها الواسعة، ومن هنا فإن المؤسسات وسياسات التدريب والحماية الاجتماعية تحدد من يدفع ثمن الانتقال، فالعامل لا يعيش في المدى الطويل الاقتصادي، وإنما يعيش شهراً بعد شهر، وإذا فقد دخله اليوم فإن وعد ظهور وظيفة جديدة بعد خمس سنوات لا يحل مشكلته.

صانع الحذاء الفيكتوري لا يقدم إذاً نبوءة جاهزة عن مستقبل موظف المكتب في 2026، لكنه يقدم درساً أكثر تواضعاً وفائدة، من حيث لا ينبغي أن نخلط بين اختفاء المهمة واختفاء الحاجة البشرية، كما لا ينبغي أن نفترض أن بقاء الوظائف يعني بقاءها بالشكل نفسه، فالذكاء الاصطناعي سيغير العمل، وربما بعمق، إلا أن النتيجة لن يحددها النموذج وحده، بل الطريقة التي تختار بها الشركات والحكومات والمدارس توزيع مكاسب الإنتاجية وتكاليفها، فالتكنولوجيا تفتح الاحتمال، أما المجتمع فهو الذي يقرر من يحصل على فائدته ومن يتحمل ثمنه.

شارك المقال f 𝕏 in