لندن - سدن
عاشت الزائدة الدودية زمناً طويلاً في المخيلة الشعبية بوصفها عضواً عديم الفائدة تقريباً، قطعة صغيرة لا نتذكر وجودها إلا عندما تلتهب وتصبح الجراحة ضرورية، لكن العلم الحديث أعاد النظر في هذه الصورة مع تراكم الأدلة على أن الزائدة تحتوي نسيجاً مناعياً وقد تؤدي دوراً في البيئة الميكروبية للأمعاء.
وفي الثاني من أكتوبر، سلطت (رويترز) الضوء على دراسة رصدت ارتباطاً بين استئصال الزائدة وانخفاض خطر سرطان القولون في مجموعة من البيانات، وهي نتيجة مثيرة للاهتمام، لكنها لا تعني ـ وهذا هو التفصيل الأهم ـ أن على الإنسان السليم أن يفكر في إزالة الزائدة للوقاية من السرطان.
ففي الطب، كلمة (ارتباط) ليست مرادفاً لكلمة (سبب)، والأشخاص الذين خضعوا لاستئصال الزائدة يختلفون عن الآخرين في عوامل عديدة، بدءاً من التاريخ الالتهابي والمضادات الحيوية وصولاً إلى العمر والرعاية الصحية، ويمكن لبعض هذه العوامل أن يفسر جانباً من الفارق.
كما أن الزائدة نفسها قد تكون جزءاً من شبكة مناعية وميكروبية معقدة، ولذلك ليس من السهل افتراض أن إزالتها مفيدة أو ضارة استناداً إلى نتيجة واحدة.
والقول إن مجموعة ممن أزيلت زوائدهم أصيبوا بسرطان أقل لا يجيب عن الآلية.
فهل السبب تغير في الميكروبيوم؟ أم هل الالتهاب الذي أدى إلى العملية مرتبط بعوامل أخرى؟ وهل هناك تحيز في المتابعة الطبية؟ هذه الأسئلة هي التي تحول الملاحظة إلى علم.
وتأتي أهمية البحث من أن سرطان القولون واحد من أكثر السرطانات شيوعاً، وأن معدلاته بين البالغين الأصغر سناً أثارت اهتماماً متزايداً في السنوات الأخيرة، ولذلك يبحث العلماء في الغذاء والسمنة والميكروبيوم والمضادات الحيوية والعوامل البيئية عن تفسيرات.
والميكروبيوم مرشح مثير لأن القولون ليس أنبوباً فارغاً، حيث يعيش فيه مجتمع هائل من الكائنات الدقيقة التي تتفاعل مع الغذاء والمناعة والالتهاب، وإذا كانت الزائدة تعمل جزئياً كمستودع لبعض البكتيريا النافعة، فإن تغييرها قد يؤثر في النظام بطرق لم نفهمها بالكامل.
لكن هذا المجال نفسه مليء بالمبالغة التجارية، لان معرفة أن الميكروبيوم مهم لا تعني أن كل مكمل (بروبيوتيك) مفيد، كما أن العثور على ارتباط بين نوع بكتيري ومرض لا يثبت أن البكتيريا سبب المرض.
ومن هنا يجب أن تبقى الرسالة العملية ثابتة، ان التهاب الزائدة حالة طبية تحتاج إلى تقييم وعلاج، واستئصالها عندما يكون ضرورياً إجراء راسخ، أما إزالتها من شخص سليم لمجرد احتمال خفض سرطان مستقبلي فليس استنتاجاً تسمح به هذه الدراسة.
وتوجد بالفعل وسائل وقاية وفحص أكثر ثبوتاً لسرطان القولون، من برامج المسح حسب العمر والخطر إلى معالجة السلائل قبل تحولها، إلى نمط حياة صحي وتقليل التدخين والسمنة.
والقيمة العلمية للدراسة ليست في خلق عملية وقائية جديدة، بل في فتح نافذة على بيولوجيا السرطان، فأحياناً تكشف ملاحظة سريرية غير متوقعة مساراً بيولوجياً يستحق البحث، ثم يؤدي فهم المسار إلى علاج لا علاقة له بالعملية الأصلية.
وقد حدث ذلك مراراً في تاريخ الطب، حيث دواء صمم لمرض يكشف آلية لمرض آخر، أو جراحة قديمة تقدم بيانات عن وظيفة عضو ظننا أننا نفهمه.
والزائدة مثال جيد على تواضع المعرفة الطبية، فقبل قرن كان التخلص منها يبدو كإزالة جزء زائد، واليوم نعرف أن الصورة أكثر تعقيداً، وهذا لا يعني أنها عضو لا يمكن الاستغناء عنه، فملايين يعيشون من دونها بصورة طبيعية، بل يعني أن غير ضروري للبقاء لا يساوي بلا وظيفة.
كما أن سرطان القولون نفسه ليس مرضاً واحداً تماماً، فالأورام تختلف جزيئياً ومكانياً، وقد يكون أي ارتباط أقوى في نوع أو موقع معين، وهو ما تحتاج الدراسات اللاحقة إلى فحصه.
إن البحث الجيد كثيراً ما يبدأ بنتيجة غريبة، لكن الطب الجيد لا يحول النتيجة الغريبة فوراً إلى نصيحة للمريض، وبين الورقة العلمية وغرفة العمليات توجد مسافة من التحقق والتكرار وفهم الآلية، والزائدة الدودية التي عادت فجأة إلى الأخبار، تذكرنا بأن أكثر أعضاء الجسم تواضعاً تستطيع أن تفتح أسئلة كبيرة، من دون أن تقدم بالضرورة إجابات جاهزة.