بغداد - سدن
كشفت مصادر حكومية مطلعة أن رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي يتجه إلى خوض واحدة من أكثر معاركه حساسية منذ توليه المنصب، عبر الدفع نحو إنشاء (هيئة الرقابة الداخلية الاتحادية)، في خطوة يراها مقربون منه جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة وملاحقة شبكات الفساد التي ترسخت داخل مؤسساتها على مدى سنوات.
وبحسب المعلومات، فإن مشروع الهيئة تسبب في خلافات حادة داخل مجلس الوزراء خلال الجلسة الاخيرة، بعدما رفضت غالبية الوزراء تمرير القانون، فيما لم يؤيده سوى أربعة وزراء فقط، الأمر الذي دفع الزيدي إلى مغادرة الجلسة مؤقتاً قبل تأجيل التصويت إلى اجتماع اليوم.
وتؤكد مصادر سياسية لـ(سدن) أن الزيدي ينظر إلى الهيئة الجديدة باعتبارها إحدى الأدوات التنفيذية الرئيسية في حملة الإصلاح الإداري والمالي التي أطلقها منذ أسابيع، والتي ترافقت مع تغييرات واسعة في مواقع حكومية حساسة، وإحالة ملفات فساد كبرى إلى القضاء، وفتح ملفات مسؤولين وشخصيات نافذة كانت تُعد سابقاً خارج دائرة المساءلة.
عين رقابية فوق الوزارات والمحافظات
ووفق مسودة القانون، سترتبط الهيئة مباشرة برئيس مجلس الوزراء، وتتمتع باستقلال مالي وإداري كامل، فيما سيكون رئيسها بدرجة وزير ونائبه بدرجة وكيل وزارة.
وستتولى الهيئة مراقبة أداء الوزارات والمحافظات والمؤسسات الحكومية، ومتابعة الإنفاق العام، وكشف حالات الهدر وسوء استخدام السلطة، وتعزيز الشفافية والرقابة الداخلية، بالتنسيق مع هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية.
وتضم الهيئة دوائر متخصصة في التدقيق والرقابة والشؤون القانونية والإدارية والتخطيط والتدريب والإعلام، بما يجعلها واحدة من أكبر المؤسسات الرقابية المقترحة منذ عام 2003.
مواجهة مع مراكز النفوذ
ويرى مراقبون أن الاعتراضات التي واجهها المشروع لا ترتبط فقط بالجوانب الفنية أو القانونية، بل تعكس مخاوف متزايدة داخل بعض الأوساط السياسية والإدارية من توسع صلاحيات الرقابة وفتح ملفات قد تطال مسؤولين حاليين وسابقين.
ويشير هؤلاء إلى أن إنشاء جهاز رقابي جديد يرتبط مباشرة بمجلس الوزراء سيمنح الحكومة قدرة أكبر على متابعة الأداء المالي والإداري داخل المؤسسات، وهو ما قد يضع العديد من شبكات المصالح التقليدية تحت المجهر لأول مرة.
الزيدي: لا تراجع عن معركة الإصلاح
وتأتي هذه الخطوة في سياق سلسلة إجراءات اتخذتها حكومة الزيدي خلال الأسابيع الماضية، شملت تغييرات في مواقع عليا، وفتح ملفات فساد بارزة، وإطلاق ما تصفه مصادر حكومية بـ(مرحلة استعادة الدولة من اقتصاد النفوذ والمحاصصة).
وتؤكد المصادر أن رئيس الوزراء يعتبر مكافحة الفساد وحماية المال العام شرطاً أساسياً لإنجاح برنامجه الحكومي، وأنه ماضٍ في تمرير المشروع رغم الاعتراضات، باعتباره جزءاً من رؤية أوسع لإعادة هيكلة الرقابة الحكومية وتشديد المحاسبة داخل مؤسسات الدولة.
معركة ما بعد السلاح هي معركة المال
ويرى المراقبون أن العراق يقف أمام اختبار جديد لا يقل أهمية عن ملف حصر السلاح، فبعد أن بدأت الحكومة مواجهة مراكز القوة المسلحة، تبدو معركة تفكيك شبكات الفساد المالي والإداري هي التحدي الأكبر المقبل.
ويؤكد هؤلاء أن نجاح الهيئة الجديدة، إذا أُقرت، لن يقاس بعدد موظفيها أو دوائرها، بل بقدرتها على الاقتراب من الملفات الكبرى التي ظلت لعقود بعيدة عن الرقابة والمحاسبة، واستعادة مليارات الدولارات التي تبخرت بين الفساد وسوء الإدارة والنفوذ السياسي.