جولة روبيو..
هل بدأت واشنطن تسويق (شرق أوسط ما بعد الحرب)؟

جولة روبيو..
هل بدأت واشنطن تسويق (شرق أوسط ما بعد الحرب)؟

لندن - سدن

لا تبدو جولة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في دول الخليج زيارة بروتوكولية، ولا مجرد محاولة لشرح بنود مذكرة التفاهم التي أنهت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، فالرسائل الأميركية هذه المرة كانت مختلفة، إذ انتقل الاهتمام من سؤال: كيف انتهت الحرب؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كيف ستدار المنطقة بعد انتهائها؟

وتشير قراءات سياسية إلى أن الإدارة الأميركية بدأت عملياً مرحلة جديدة تقوم على طمأنة الحلفاء الخليجيين، واحتواء مخاوفهم من أن تتحول المفاوضات مع إيران إلى صفقة ثنائية تغفل المصالح الأمنية لدول الخليج.

ولهذا، جاءت جولة روبيو محملة برسالة واضحة مفادها أن واشنطن لن تكرر أخطاء الاتفاقات السابقة، وأن أمن الخليج سيكون جزءاً من أي ترتيبات سياسية يجري التوصل إليها مع طهران.

المذكرة أوقفت الحرب لكنها لم تنه أسبابها

ويرى مراقبون أن مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية لم تكن سوى إطار أولي لتجميد الصراع، بينما تركت أكثر الملفات تعقيداً إلى مرحلة تفاوض تمتد لستين يوماً، وربما أكثر.

فالبرنامج النووي الإيراني لا يزال مفتوحاً، ومستويات تخصيب اليورانيوم لم تحسم، كما أن آليات الرقابة الدولية، ومستقبل العقوبات الاقتصادية، وحدود القدرات العسكرية الإيرانية، جميعها ملفات ما تزال تنتظر تفاهمات تفصيلية.

وبحسب تقديرات (سدن)، فإن واشنطن لا تريد إنهاء الأزمة بسرعة، بل تسعى إلى إدارة مفاوضات طويلة تمنحها القدرة على انتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات الإيرانية، مع إبقاء أدوات الضغط العسكري والاقتصادي جاهزة في أي لحظة.

هرمز.. العقدة التي لا تحتمل المساومة

ورغم أهمية الملف النووي، إلا أن ما كشفته جولة روبيو هو أن الأولوية الأميركية انتقلت بصورة واضحة إلى أمن الملاحة في مضيق هرمز.

فالبيت الأبيض يدرك أن أي اضطراب جديد في هذا الممر البحري لن يهدد صادرات النفط الخليجية فقط، بل سيصيب الاقتصاد العالمي بأكمله، ويعيد أسواق الطاقة إلى مرحلة الاضطراب.

ولهذا، حمل روبيو إلى العواصم الخليجية تأكيدات بأن الولايات المتحدة لن تسمح بتحويل المضيق إلى ورقة ابتزاز سياسي أو اقتصادي.

ويفسر مراقبون التصريحات الحادة للرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن رفض فرض أي رسوم أو قيود على حركة السفن بأنها تمثل خطاً أحمر أميركياً جديداً، قد يؤدي تجاوزه إلى انهيار مسار التفاوض بأكمله، وربما العودة إلى خيارات أكثر صرامة.

الصواريخ.. الملف الذي تؤجله واشنطن ولا تنساه دول الخليج

ورغم أن مذكرة التفاهم ركزت على وقف الحرب، فإنها تجنبت التطرق إلى برنامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الإيرانية، وهو الملف الذي تعتبره العواصم الخليجية الأخطر على أمنها.

فالهجمات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية أثبتت أن الخطر لا يرتبط بالسلاح النووي وحده، بل بالقدرة الإيرانية على استخدام الصواريخ والمسيرات كوسيلة ضغط عسكرية وسياسية.

وترى أوساط سياسية أن هذا الملف سيعود بقوة إلى طاولة المفاوضات، سواء بصورة مباشرة أو ضمن ترتيبات أمنية إقليمية أوسع، لأن تجاهله سيجعل أي اتفاق مستقبلي ناقصاً وعرضة للانهيار.

الإمارات اللاعب الجيواقتصادي الذي يريد ضمانات أمنية

وتلفت جولة روبيو الانتباه أيضاً إلى المكانة الخاصة التي تحتلها الإمارات في الحسابات الأميركية.

فأبوظبي لا تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره ممراً بحرياً فحسب، بل شرياناً حيوياً للتجارة العالمية والاستثمارات وسلاسل الإمداد، الأمر الذي يجعل أي اضطراب أمني فيه ينعكس مباشرة على الاقتصاد الإقليمي والدولي.

ومن هنا، فإن الدعم الأميركي لأمن الملاحة يمثل بالنسبة للإمارات ضمانة استراتيجية لاستمرار دورها كمركز مالي وتجاري عالمي، وليس مجرد موقف سياسي مرتبط بالأزمة الإيرانية.

هل بدأت مفاوضات شكل الشرق الأوسط الجديد؟

يعتقد محللون أن الجولة الخليجية تكشف أن واشنطن لم تعد تفاوض إيران فقط، بل بدأت في الوقت نفسه التفاوض غير المباشر مع حلفائها حول شكل النظام الإقليمي الذي سيلي الحرب.

فالأسئلة المطروحة اليوم لم تعد تتعلق بوقف إطلاق النار، وإنما بمن سيتولى حماية الملاحة، وكيف ستضبط الصواريخ الإيرانية، وما إذا كانت طهران ستعود لاعباً طبيعياً في المنطقة أم ستبقى دولة خاضعة لمنظومة ردع دائمة.

ولهذا، يمكن النظر إلى جولة روبيو باعتبارها أول تحرك أميركي واسع لتسويق ترتيبات ما بعد الحرب، وقياس مدى استعداد العواصم الخليجية للانتقال من مرحلة المواجهة العسكرية إلى مرحلة هندسة توازنات سياسية وأمنية جديدة، ستكون نتائجها أكثر تأثيراً من الحرب نفسها.