دمشق - سدن
وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، إلى العاصمة السورية دمشق، في زيارة وصفت بأنها تاريخية، لتصبح الأولى لرئيس فرنسي منذ عام 2009، وأول زيارة يقوم بها رئيس دولة غربية كبرى إلى سوريا منذ قيام الدولة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع.
وكان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في استقبال ماكرون والوفد المرافق له في مطار دمشق الدولي، قبل أن تبدأ سلسلة لقاءات سياسية واقتصادية وأمنية تمهد لمرحلة جديدة في العلاقات بين باريس ودمشق، بعد سنوات طويلة من القطيعة التي فرضتها الحرب السورية.
وتكتسب الزيارة أهمية استثنائية، لأنها تأتي بعد أشهر من استقبال الرئيس الفرنسي لأحمد الشرع في قصر الإليزيه، لتنتقل العلاقة اليوم من مرحلة الحوار السياسي إلى مرحلة الشراكة المباشرة على الأرض.
فرنسا تعود
وتؤكد باريس أن زيارتها لا تمثل مجرد استئناف للعلاقات الدبلوماسية، بل إعلاناً عن رؤية فرنسية جديدة لسوريا، تقوم على دعم مؤسسات الدولة الجديدة، وتشجيع الاستقرار، والانخراط في إعادة الإعمار، مقابل استمرار التزام دمشق ببناء دولة موحدة، تحترم التعددية، وتعزز الاستقرار الإقليمي.
وتعتبر الرئاسة الفرنسية أن سقوط نظام بشار الأسد فتح نافذة تاريخية لإعادة دمج سوريا في محيطها العربي والدولي، وأن باريس اختارت الاستثمار في هذه المرحلة بدلاً من الاكتفاء بمراقبتها.
رجال الأعمال قبل السياسيين
ولم يصل ماكرون إلى دمشق منفرداً، بل اصطحب معه وفداً اقتصادياً يضم كبار المستثمرين وممثلي الشركات الفرنسية، في إشارة واضحة إلى أن إعادة إعمار سوريا أصبحت أحد أهم ملفات الزيارة.
وتسعى فرنسا إلى حجز موقع متقدم في مشاريع إعادة بناء البنية التحتية والطاقة والنقل والاتصالات، وسط تقديرات بأن مرحلة الإعمار ستكون واحدة من أكبر الأسواق الاستثمارية في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
لبنان على الطاولة
واحتل الملف اللبناني مساحة واسعة من المحادثات، إذ تؤكد باريس أن استقرار لبنان وسوريا أصبح ملفاً واحداً، وأن ضبط الحدود بين البلدين يمثل أولوية مشتركة لمنع التهريب، وتعزيز سيادة الدولتين.
كما شددت فرنسا على رفضها أي عودة للوجود العسكري السوري داخل لبنان، في مقابل دعمها لتطوير التعاون الأمني بين بيروت ودمشق في إطار احترام السيادة المتبادلة.
رسائل من قلب دمشق
وبعيد وصوله، اصطحب الرئيس أحمد الشرع نظيره الفرنسي في جولة داخل دمشق القديمة، شملت الجامع الأموي، حيث زارا ضريح النبي يحيى، واطلعا على معالم الجامع التاريخية، في مشهد حمل دلالات سياسية وثقافية عميقة، عكس رغبة الجانبين في تقديم صورة مختلفة عن سوريا الجديدة.
ومن المقرر أن يعقد الرئيسان جولة محادثات رسمية الثلاثاء، تعقبها مؤتمرات صحفية وإعلان نتائج الاتفاقات التي تم التوصل إليها.
وبحسب مراقبين سوريين تحدثوا لسـ(سدن) فان زيارة ماكرون إلى دمشق ليست مجرد حدث بروتوكولي، بل إعلان أوروبي رسمي بأن سوريا عادت إلى الخريطة الدولية، فبعد سنوات كانت فيها دمشق عنواناً للعقوبات والعزلة، تستقبل اليوم رئيس إحدى أكبر القوى الأوروبية، وبرفقته رجال أعمال وشركات تبحث عن الاستثمار لا عن العقوبات.
كما تؤكد الزيارة أن سوريا أحمد الشرع أصبحت جزءاً من مشروع إقليمي ودولي جديد، يقوم على إعادة الإعمار، والانفتاح الاقتصادي، وربط سوريا بمحيطها العربي والمتوسطي، بعيداً عن مرحلة المحاور والصراعات التي طبعت عهد النظام السابق.
وبالنسبة لفرنسا، فإن الرهان هو على المشاركة في صناعة سوريا الجديدة، بينما تبدو دمشق اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى استعادة موقعها الطبيعي في المعادلة العربية والدولية.