أُدهش حين يخبرني أحدهم بأنه ذهب إلى بغداد فلم يجدها. لم يجد بغداد التي تركها منذ ثلاثين سنة. أسأله "هل أنت الآن مثلما كنتَ قبل ثلاثين سنة؟" يقول لي "أنا صرت أفضل في حين أنها صارت أسوأ" "أنت محق في ذلك" قلت له وأضفت "ولكنك نجوت بنفسك حين هربت" "لا تكمل. لقد فهمت".
منذ أكثر من أربعين سنة وبغداد تتقلب على النار. مدينة تحارب بطريقة عبثية وتجوب أشباح النحس ليلها. لم يرحمها أحد. حتى أبناؤها لم يقولوا كلمة رجاء واحدة من أجلها حين انتهت مدينة محتلة. حكامها الجدد يكرهونها لأنها كانت عاصمة الرشيد. هارون الذي أهدى في عصره الذهبي شارلمان الفرنسي الوقت لا يحبه عراقيو الحكم ومَن والاهم لذلك تركوا لشارع الذي يحمل اسمه وهو قلب بغداد ورمز حداثتها مهملا ورثا خوفا من أن يتهموا بحب الخليفة العباسي الذي أطاح بالبرامكة، العائلة الفارسية التي عاثت بدولته فساداً.
تُركت بغداد وحيدة، تتلفت حائرة، خائرة القوى حين حُرم أطفالها من أقلام الرصاص باعتبارها سلاحا محرما.
في سنوات الحصار التي امتدت ما بين 1990 و2003 لم يكلف مثقفو الشتات العراقي أنفسهم بكتابة بيان مناهض لتلك الجريمة غير أنهم تسابقوا من أجل التوقيع على رسالة الشكر الموجهة إلى الرئيس الأميركي جورج بوش الإبن لأن قاد جيوشه لغزو بلادهم واحتلالها.
خُذلت بغداد..
لا تستحق المدينة التي وصلت بالعرب إلى عصرهم الذهبي ذات يوم كل تلك الرثاثة وهذا المصير الوضيع.
قلت لصاحبي "المدن العظيمة مرهفة في حساسيتها مثل الشعر الذي يهرب حين تُبلى اللغة، مثل الموسيقى حين تخور الأبقار ويختفي تغريد البلابل، مثل الرسم حين لا تُرسم الشجرة إلا باعتبارها واهبة ثمار". صحيح أن بغداد كانت أماً تنكر أبناؤها لحليبها غير أن الصحيح أيضا أنها فُجعت بعبقرية أولئك الأبناء في اختراع سبل وأساليب وأفكار لفساد لم يسبقهم أحد إليه في التاريخ.
الفساد بقناع من ذهب
تخيل دولة تشتري بميليارات الدولارات سنويا من مزارعيها حنطة وهمية فلا وجود للمزارع ولا للمزارعين.
تخيل دولة تنفق على تربية الغزلان مليارات أخرى من غير أن يكون لتلك الغزلان وجود على أرض الواقع.
تخيل دولة تُفكك فيها مصافي النفط العملاقة ويتم ترحيلها إلى دولة جارة وحين تصل إلى هناك يُقال للمهربين "سيكون عليكم أن تبيعوها باعتبارها حديدا خردة بالأطنان".
تخيل أن تلك الدولة تلقي القبض على عدد من نواب الشعب فتعثر في بيوتهم على مئات الملايين من الدولارات ومليارات من العملة المحلية ومئات الكيلوغرامات من الذهب. لكن عليك أن تتخيل أن كل ما ورد ذكره انما يشكل أقل من واحد بالمئة من نسبة السرقات التي تعرض لها العراق منذ 2005 وهو العام الذي أعلن فيه الأميركيون تسليم السلطة إلى العراقيين.
ما لا يتوقعه أحد أن يكون أبناء البلد أشد قسوة على شعبهم من المحتل. ذلك يمكن فهمه حين نعرف أن الأحزاب التي سلمها الأميركيون السلطة وكلها أحزاب موالية لإيران يقيم شعبها خارج العراق.
ذلك ما دفع نوري المالكي الذي تسلم الحكم عام 2006 ولثمان سنوات تالية إلى سن قوانين لإهدار المال العام من خلال توزيعه بطريقة برمكية على أتباع حزب الدعوة الذي يترأسه وومنتسبي جميع الحركات والأحزاب الدينية الذين يقيمون في دول اللجوء باعتبارهم مواطنين في الوقت الذي كان العراق فيه في حاجة لإعادة إعمار بنيته التحتية التي خربتها الحروب.
وإذا ما شئنا الدقة فإن هناك أكثر من ترليوني دولار قد تم هدرها سرقة وتبذيرا منذ أول حكومة للمالكي حتى اليوم حسب تصريح منير حداد، المستشار القانوني لرئيس الوزراء العراقي الحالي. كل هذا حدث لبغداد. المدينة التي كانت تستيقظ على صوت فيروز وتذهب إلى قيلوتها ظهرا على صوت أم كلثوم وتنام قبل منتصف الليل بعد أن تستمع إلى صوت عبد الباسط عبد الصمد وهو يقرأ آيات من القرأن.
أكره أن أقول "قتلتنا البراءة" كنا مغفلين، أبناء مدينة تم إفقار خيالها بالحروب.
علي بابا في نسخه الجديدة
تبغدد الكثير ممَن قدموا إلى بغداد لأنها كانت قوية، لا باعتبارها مركز الحكم بل لأن العراق لا وجود له من غيرها. وهنا أقصد العراق الحضاري وليس عراق السلطة. وما يُقال عن استفراد أتباع المذهب السني بالحكم في العراق الحديث كله كذب. ذلك لأن الحكم في العصرين الملكي والجمهوري لم يكن احتكارا سنيا. ما من وزير أو مدير عام عُين في منصبه بناء على مذهبه، ناهيك أن صالح جبر الذي كان رئيسا للوزراء في العصر الملكي كان شيعيا وفي العصر الجمهوري أصبح سعدون حمادي وهو شيعي من كربلاء رئيسا للحكومة. لا أريد الخوض في تلك الكذبة.
بعد الاحتلال تم ترييف بغداد بشكل كامل في ظل شعارات طائفية أُريد من خلالها أن تحل السرديات الطائفية محل التاريخ السياسي الحقيقي.
ظُلمت بغداد حين تم عقابها تحت شعار المظلومية الشيعية بحيث استولى لصوص المال العام على الجزء العزيز منها فصار المتر المربع من أرضها أغلى من مثيله في نيويورك ولندن.
عمليات غسيل الأموال خربت خريطة بغداد.
ويقول لي صديقي إنه لم يجد بغداد.. هل كنت تحلم أن تجدها تحت وسادة إبن زريق البغدادي أم أنك كنت تتوقع أن ترى الشاعر حسب الشيخ جعفر فاتحا ذراعيه لك على جسر الأحرار؟
بغداد اختفت لأنها تأنف أن تكون مدينة لصوص طبعوا ثقافة الفساد بأموالها.
كان علي بابا واحدا من إختراعاتها المسلية التي ألهمت العالم خيالا لصوصيا مرحا ولكن أن تأوي مدينة ألف ليلة وليلة وعاصمة الرسيد مئات من"علي بابا" فإن ذلك يفوق الخيال.