واشنطن - سدن
منذ بدأت المواجهة حول مضيق هرمز، كان الافتراض السائد أن العالم يقف على أعتاب صدمة نفطية شبيهة بأزمتي 1973 و1979، وأن التضخم سيشتعل، والاقتصاد العالمي سيدخل ركوداً جديداً.
لكن ما حدث كان مختلفاً تماماً.
فرغم تعطل جزء كبير من حركة النفط الخليجية، لم تقفز الأسعار إلى مستويات كارثية، ولم تدخل الأسواق العالمية في حالة ذعر طويلة، كما لم تضطر البنوك المركزية إلى إطلاق موجة جديدة من التشديد النقدي.. فلماذا صمد الاقتصاد العالمي هذه المرة؟
العالم لم يعد أسيراً لبرميل النفط
يرى الباحث المتخصص في شؤون الطاقة كريستوف رول، في تقرير نشرته فايننشال تايمز، أن أكبر تغيير حدث خلال العقود الخمسة الماضية هو انخفاض ما يسمى بـ(كثافة النفط) في الاقتصاد العالمي.
بمعنى آخر، أصبح الاقتصاد العالمي ينتج ثروة أكبر باستخدام كميات أقل من النفط مقارنة بما كان عليه في سبعينيات القرن الماضي.
ولهذا، فإن ارتفاع أسعار النفط اليوم لا يترك الأثر نفسه الذي كان يتركه قبل أربعين أو خمسين عاماً.
ويشير التحليل إلى أن الأسعار الحالية، حتى بعد أزمة هرمز، يجب أن ترتفع إلى نحو أربعة أضعاف مستواها الحالي حتى تعادل الصدمة الاقتصادية التي أحدثتها الثورة الإيرانية عام 1979.
خطوط الأنابيب بدأت تهزم المضائق
يلفت التقرير إلى أن أحد أهم أسباب احتواء الأزمة هو التحول الكبير في طرق نقل الطاقة.
فبدلاً من الاعتماد الكامل على مضيق هرمز، توسعت شبكة خطوط الأنابيب العابرة للدول، وأعيد توجيه التجارة العالمية بسرعة نحو مسارات بديلة، الأمر الذي خفف من تأثير إغلاق المضيق.
كما ساهم ارتفاع المخزونات النفطية العالمية، بما فيها الاحتياطيات الصينية والنفط المخزن في الناقلات، في امتصاص جانب كبير من الصدمة.
وتعززت هذه المرونة أيضاً بزيادة الإنتاج في مناطق أخرى من العالم، وتوسيع طاقات النقل والتكرير خارج الخليج.
الاستهلاك انخفض لكن ليس بسبب الركود
المثير في التحليل أن انخفاض الطلب العالمي على النفط لم يكن نتيجة انهيار اقتصادي.
فبحسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية، تراجع الطلب خلال الربع الثاني من العام بنحو خمسة ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل نحو 5% من الاستهلاك العالمي.
ويرى الكاتب أن هذا الانخفاض يعكس تحسناً في كفاءة استخدام الطاقة، وليس تراجعاً في النشاط الاقتصادي، وهو ما منح الأسواق قدرة إضافية على امتصاص آثار الأزمة.
الفجوة ما زالت قائمة لكنها قابلة للإدارة
ورغم هذه العوامل الإيجابية، يحذر التقرير من أن الأسواق لم تتجاوز الأزمة بالكامل.
فبعد احتساب الإنتاج الإضافي، والسحب من المخزونات، وتحويل مسارات الإمداد، ما تزال السوق تواجه نقصاً يتراوح بين 1.5 و3.5 ملايين برميل يومياً حتى نهاية العام.
لكن الكاتب يرى أن هذا الحجم يمكن تعويضه عبر زيادة تدريجية في الصادرات المارة عبر مضيق هرمز، أو من خلال مزيد من انخفاض الطلب العالمي.
الخطر الحقيقي ليس النفط.. بل السياسة
ويخلص التحليل إلى أن مرونة الاقتصاد العالمي قد تحمل مفارقة خطيرة، فكلما أثبتت الأسواق قدرتها على التكيف مع الصدمات النفطية، زاد احتمال أن تتصرف القوى السياسية والعسكرية بجرأة أكبر، معتقدة أن الاقتصاد العالمي قادر دائماً على تحمل المزيد.
بعبارة أخرى، فإن صمود الأسواق قد يشجع السياسيين على رفع سقف المخاطرة.
ويتطابق هذا التحليل بصورة لافتة مع ما طرحته (سدن) خلال الأسابيع الماضية بشأن التحول الجيوسياسي في أسواق الطاقة.
فمع تسارع مشاريع خطوط الأنابيب الجديدة بين العراق وسوريا وتركيا، وتراجع الاعتماد النسبي على مضيق هرمز، لم تعد معادلة الطاقة العالمية تقوم على (عنق زجاجة) واحد كما كانت لعقود.
غير أن ذلك لا يعني انتهاء أهمية هرمز، بل انتقال العالم إلى مرحلة أصبح فيها تعطيل المضيق أقل قدرة على شل الاقتصاد العالمي، لكنه لا يزال قادراً على إشعال أزمات سياسية وعسكرية واسعة.
وربما تكون المفارقة الأكبر أن نجاح الأسواق في امتصاص الصدمات قد يغري صناع القرار بدفع الأزمات إلى مستويات أكثر خطورة، وهي النتيجة التي يحذر منها التقرير، وتبدو اليوم أكثر واقعية من أي وقت مضى.