تفكيك

لماذا تعود إيران إلى الحرب؟

ولي نصر
18 يوليو 2026
لماذا تعود إيران إلى الحرب؟

تنزلق الولايات المتحدة وإيران مجدداً نحو الحرب. وليس السبب أن أياً من الطرفين أساء فهم بنود مذكرة التفاهم التي وقّعاها لإنهاء المرحلة الأولى من الصراع. فقد كانت المذكرة غامضة وقابلة لتفسيرات متعددة، إلا أن مشكلتها الأساسية أنها بُنيت على افتراض الحفاظ على ميزان القوى كما كان لحظة توقيعها، في حين كانت واشنطن عازمة على تغييره، بينما كانت طهران مصممة على حمايته.

بدأت الولايات المتحدة الحرب في فبراير بهدف إسقاط الجمهورية الإسلامية، أو على الأقل إجبارها على قبول إملاءات أميركية تحد من برنامجها النووي ودورها الإقليمي. لكن الحرب انتهت بمنح إيران مكسباً استراتيجياً تمثل في فرض سيطرتها على مضيق هرمز، وهو ما أجبر الولايات المتحدة على القبول بمذكرة التفاهم.

وكان قادة إيران يعتقدون أن مذكرة التفاهم ليست سوى تراجع أميركي مؤقت، يهدف إلى تخفيف الضغط عن الاقتصاد العالمي والاستعداد لجولة جديدة من الحرب. بل إن نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس لمح علناً إلى أن الرئيس دونالد ترامب فضّل الاتفاق لأنه يمنح الولايات المتحدة وقتاً لإعادة ملء احتياطياتها الاستراتيجية من النفط التي أخذت في التراجع.

ورأت طهران شواهد عديدة عززت هذه القناعة؛ فلم تُفرج الولايات المتحدة عن الأصول الإيرانية المجمدة، كما أن الاتفاق الذي توسطت فيه واشنطن بين إسرائيل ولبنان تجاهل المطالب الإيرانية المتعلقة بوقف إطلاق النار هناك. وفي الوقت نفسه، بدأت الولايات المتحدة في إرسال مزيد من الأصول العسكرية إلى منطقة الخليج، وشجعت السفن التجارية على تجاهل التعليمات الإيرانية الخاصة بالتنسيق مع سلطاتها والإبحار عبر الممرات التي تحددها أثناء عبورها مضيق هرمز، بل إن بعض السفن اتخذت مسارات أقرب إلى السواحل العُمانية. وكانت واشنطن تراهن على أن يؤدي ذلك إلى إضعاف ادعاء إيران بسيطرتها على المضيق وقدرتها على فرض تلك السيطرة.

وقد لا يُعد أي من هذه التطورات، منفرداً، انتهاكاً جوهرياً لمذكرة التفاهم، لكنها مجتمعة مثلت، في نظر طهران، جهداً منظماً لتقويض النفوذ الذي اكتسبته خلال الحرب، والذي انعكس في اتفاق وقف إطلاق النار.

ويعتقد قادة إيران الحاليون أن أي إظهار لضبط النفس لن يؤدي إلا إلى تشجيع الولايات المتحدة على ممارسة مزيد من الضغوط. ولذلك يرون أن ردع واشنطن، ودفعها إلى مفاوضات جادة لإنهاء الحرب والتوصل إلى اتفاق نووي أوسع يمنح طهران ما تطمح إليه من ضمانات أمنية وتخفيف للعقوبات الاقتصادية، يتطلب انتهاج سياسة أكثر هجومية، وتصعيد الصراع إلى مستوى لا ترغب الولايات المتحدة في تحمله.

وأهم ورقة ضغط ترفض إيران التخلي عنها هي سيطرتها على مضيق هرمز وقدرتها على التحكم بحركة العبور فيه. فخسارة هذه الورقة ستجردها من أهم أدواتها في أي مفاوضات مستقبلية. ولهذا خلصت القيادة الإيرانية إلى أن الحفاظ على النفوذ في المضيق شرط أساسي لتحقيق مكاسب سياسية لاحقة وضمان تنفيذ الولايات المتحدة لأي اتفاق بدلاً من الانسحاب منه.

كما لعبت المشاركة الجماهيرية الضخمة في تشييع المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، الأسبوع الماضي، دوراً مهماً في إقناع القيادة الإيرانية بأن الرأي العام سيدعم موقفاً متشدداً بشأن مضيق هرمز، الذي تحول إلى قضية قومية تحظى بتأييد واسع داخل البلاد.

وفي هذا السياق، قررت إيران إحباط المساعي الأميركية لإعادة فتح المضيق عبر استهداف ناقلتين كانتا تبحران بالقرب من السواحل العُمانية. وقد استدعى ذلك رداً أميركياً واسع النطاق تمثل في حملة قصف ممتدة استهدفت منصات الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية على سواحل الخليج، إضافة إلى بنى تحتية عسكرية ومدنية داخل إيران، بهدف رفع كلفة استمرار المقاومة الإيرانية.

لكن إيران كانت تتوقع عودة الحرب. وربما اندلعت الجولة الجديدة أسرع مما كانت تتوقع، إلا أن طهران ترى في ذلك مصلحة لها؛ فإذا كانت الحرب حتمية، فمن الأفضل خوضها قبل أن تتمكن الولايات المتحدة من إعادة تنظيم صفوفها بالكامل، وقبل أن يستعيد الاقتصاد العالمي عافيته من صدمات الطاقة وسلاسل الإمداد.

ولهذا ستسعى إيران إلى امتصاص الضغط العسكري الأميركي، وفي الوقت نفسه تكثيف هجماتها على الأهداف العسكرية الأميركية وعلى منشآت الطاقة والبنية التحتية المدنية في منطقة الخليج. وهدفها هو إيصال رسالة مفادها أن الحرب لن تبقى ضمن الحدود التي ترغب واشنطن في رسمها.

وفي المقابل، تبدو طهران مستعدة لتحمل الأعباء الاقتصادية التي قد تفرضها أي عمليات حصار بحري أميركية جديدة، انطلاقاً من اعتقادها بأن الضغوط التي يمكن أن تمارسها على الاقتصاد العالمي عبر إغلاق مضيق هرمز، وربما أيضاً مضيق باب المندب والبحر الأحمر، ستجبر الرئيس ترامب في النهاية على التراجع أولاً.

وربما تبالغ القيادة الإيرانية في تقدير قدرتها على تنفيذ هذه الاستراتيجية، لكنها مقتنعة بأن استعدادها للتصعيد خدم مصالحها خلال المرحلة الأولى من الصراع، وأن الحرب قد تكون الوسيلة الوحيدة لإقناع ترامب بالتعامل بجدية مع المسار الدبلوماسي.

وفي نهاية المطاف، يرى النظام الإيراني نفسه في معركة وجودية. وهو يراهن على أن استعداده لتحمل قدر أكبر من الألم يمنحه أفضلية استراتيجية، يمكن أن تتحول لاحقاً إلى أوراق قوة على طاولة أي مفاوضات مستقبلية.

شارك المقال f 𝕏 in