كان المغرب على بعد “أمتار” زمنية قليلة من تعرُّضه لإجرام إرهابي ضد مواطنيه وضد مؤسساته وضد سلامته واستقراره مع بداية هذا الشهر… غير أن “السور” الأمني المغربي المتين، اليقظ والمتحرِّك، طوَّق تلك النوايا الإرهابية في وكرها بغارة استباقية قوية المفعول، شملت سبع مدن مغربية، واجتثت عشرة إرهابيين مفترضين، مدجّجين بمبايعتهم لداعش، وبدلائل عينية على مخططاتهم الإجرامية.
التحضير للإجرام الإرهابي ضد المغرب كان في طور متقدم وعلى وشك التفجُّر، غير أن الجاهزية الأمنية المغربية رصدته بأهبَتها الدائمة وفعاليتها النشيطة وحالة الاستنفار الحادة، أمنياً واستخباراتياً، ليسلَم المغرب من الأذى وليُواصل انهماكه في إنبات مقوِّمات التقدم في الجغرافيا وبها، وبالتاريخ وفيه. ومنبع ذلك التخطيط الإرهابي تلك الكومة من الأعشاب الضارة التي تعشش فيها أفاعي مخابرات سامة تنفث سمها ضد المغرب. واضح أن النجاحات المغربية المتنوعة والمتميزة في بيئته الجغرافية لا تسعد كثيرين، بل وتقلق من بينهم كثيرين. ولدينا فيما جرى في المحفل العالمي لكرة القدم من تألق مغربي مثال ملموس على ما أبان عنه بعض “ذوي القربى” من حنق وغيظ وانزعاج عالي الدرجات.
تابعنا كيف أن غليان الحقد ضد المغرب من انتصاراته الكروية في المستوى العالمي وصل حدّ تجنيد شباب لإحراق العلم المغربي في إحدى ضواحي باريس بعيد انتصار المغرب على الفريق الهولندي، في عملية استفزازية ليس إلا، ومعبِّرة عن انتفاخ مرضي في أورام العقد النفسية لدى الآمرين بذلك الإحراق.
تلك الحملة المسعورة ضد نجاحات المنتخب المغربي طالت السياسات والبنيات الرياضية المغربية، والتي بها أصبح المغرب اليوم ضمن الفرق الكروية الثمانية الأولى في العالم، وهو الوحيد من الدول الأفريقية والعربية والإسلامية. الحملة الدائمة تؤطرها منذ سنوات ضد الكيان المغربي ككل، وبفجاجة ووقاحة ضد شخص الملك محمد السادس، وبالكثير من الاختلاقات والسباب الصريح.
المغرب يواجه حملات التشويش الإقليمي بثبات أمني ودبلوماسي محبطًا محاولات زعزعة استقراره عبر الإرهاب أو الدعاية ومؤكدًا أن نجاحاته التنموية والسياسية تزيد من قوته الدولية
حملة ضد تقدم المغرب اقتصادياً، وهو الذي تحصّل على موقع ريادي في أفريقيا، وانتزع المرتبة الأولى أفريقيا في الإنتاج الصناعي، وكرّس جاذبية اقتصادية وسياسية في أفريقيا والعالم العربي. وطوّر من ممكناته الجالبة للاهتمام الدولي به وبفعاليته في العلاقات مع الدائرة الأوروبية والمتوسطية والأميركية والآسيوية.
الحملة أيضاً ضد انتصارات المغرب الدبلوماسية الباهرة في توسيع التبني الدولي لمقترح الحكم الذاتي، بل وأيضاً في توسيع التصريح الدولي بمغربية الأقاليم الصحراوية على قاعدة المنطوق الصريح للحقائق التاريخية. وأول وأهم المصرحين بذلك إسبانيا وفرنسا المتصلتان تاريخياً بالمنطقة المغاربية وضمنها الأقاليم الصحراوية، وطبعا الإدارة الأميركية التي دوّت تصريحات رئيسها دونالد ترامب بتلك الحقيقة في الأرجاء الدبلوماسية الواسعة في العالم.
تلك فقط عينة وفضاء أقرب في المجال الزمني لسياسة العداء التي يمارسها جيران المغرب عن سبق إصرار وترصُّد. والمفترض أن يعمل منشطو الحملة تلك على التخفيف من حدتها تحسُّباً لما تقود إليه الإرادة الدولية من الحاجة إلى إخماد التوتر مع تنزيل حل النزاع حول الصحراء المغربية.
حل نزاع الصحراء المغربية بات من مستعجلات الإرادة الدولية، وعنوان الاستعجال هو قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 لأكتوبر الماضي. وللاستعجال مؤشرات تدل عليها تحركات الدول الوازنة في صوغ تلك الإرادة الدولية، وهي منشغلة بترتيب أوضاع ما بعد تنزيل الحل من بُعدها الاقتصادي أولاً، وهو الغاية العميقة بعد المصلحة الجيو-استراتيجية من التعاطي السياسي الضاغط لتنزيل الحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية.
التهاب الوضع الدولي من بؤرة الشرق الأوسط باستمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وبضياع مسالك الخروج منها وسط الضباب الذي أغرقها فيه سؤال: من المنتصر على من؟ ذلك الالتهاب “يمشكل” التنبؤ بآجال وبكيفية توقفه أو استمراره، ويزيد من انشغال الدول الكبرى بالمنطقة المغاربية وبأهمية استقرارها وإخماد مواقد اشتعالها، لأنها في موقع التقاطع ما بين أوروبا والعالم العربي وأفريقيا.
التشويش الإقليمي يعكس قلق الجوار من صعود المغرب لكن الإرادة الدولية تدعمه كفاعل استراتيجي في الاستقرار المغاربي، ما يعزز موقعه كقوة إقليمية صاعدة
ليبيا موقد ملتهب لذاته، وتلقمه حطب الاشتعال أطراف من جواره ومن خارجه، ولكنه مزعج في النظر الشمولي للمنطقة، مزعج أساساً في احتمالات استفزاز شرارات التهابه لما وراء حدوده. ولهذا يكاد السيد مسعد بولس، مبعوث الرئيس ترامب، يقيم في ليبيا محاولاً رأب تصدعاتها ووضع البلد في سكة الاستقرار المؤسساتي والأمني.
بعد 14 شهراً من القطيعة، عادت العلاقات المالية-الجزائرية إلى طبيعتها الأصلية، إذ الطرفان في حاجة إلى بعضهما البعض، بخاصة في مواجهة الإرهاب المعشِّش في الصحراء المترامية الأطراف التي تحضن الحدود بينهما، وهي الصحراء التي تسرح فيها وتمرح العصابات الإجرامية والإرهابية المعتاشة من الرواج الكثيف للميليشيات العشوائية في المنطقة، وبوليساريو مساهمة بانتعاشه. والإرادة الدولية تسعى إلى تخليص المنطقة من مهددات استقرارها ومنها براميل البارود المحيطة بها أو الكامنة فيها.
الإرادة الدولية تحتاج إلى المغرب بتدخله وبتأثيره في المساهمة الفاعلة لدفع المنطقة ككل نحو الاستقرار، بالاحترام الذي اكتسبه في ليبيا بكل أطراف تدافعاتها السياسية، وفي منطقة الساحل مع كل دولها. وتحتاجه متحرراً من نزاع سُلِّط عليه وتحمله لأزيد من نصف قرن. واليوم قررت الإرادة الدولية رفعه عنه وتثبيت انتصاره فيه، لكي تربحه فاعلاً دولياً متعدد الممكنات، ومن الموقع المغاربي المطلوب للمساهمة في تحولات الوضع الدولي. ولهذا فالمغرب يواصل بحماس، بهدوء وبيقظة مساره النهضوي لذاته، وليكون فاعلاً في الاتجاه الواعد في تقويم حركة التاريخ حيثما يُنادى عليه لذلك في الوضع الدولي.