مآل

اختبار الزيدي الحقيقي

18 يوليو 2026
اختبار الزيدي الحقيقي

هناك صورة ستبقى طويلاً في ذاكرة هذه المرحلة.. ليست صورة المصافحة في المكتب البيضاوي، ولا كلمات الإطراء التي وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، بل صورة رجل وقف قبل أيام في مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي، ثم جلس بعد ذلك مباشرة في البيت الأبيض يتحدث عن الاستثمار والطاقة ومستقبل العلاقات العراقية الأميركية.

قد تبدو الصورتان متناقضتين، لكنهما في الحقيقة تختصران طبيعة العراق اليوم، حيث دولة تقع في قلب صراع إقليمي ودولي، لم يعد فيه ترف الانحياز الكامل للمحور الايراني خياراً واقعياً لها، ولهذا.. ربما يكون أهم ما كشفت عنه زيارة الزيدي إلى واشنطن أن الرؤية الأميركية للعراق تتغير، فبعد سنوات من المواجهة الخجولة مع النفوذ الإيراني، باتت واشنطن تنظر إلى العراق من زاوية مختلفة، مفادها ان بناء دولة عراقية قوية قد يكون أكثر فاعلية من خوض معركة مفتوحة لكسر نفوذ طهران، وهذه الرؤية تفسر طبيعة الملفات التي تصدرت الزيارة، فلم يكن الحديث منصباً على التصعيد السياسي، بل على الاستثمار، والطاقة، والإعمار، ومكافحة الفساد، وتعزيز مؤسسات الدولة، على اعتبار ان الدولة التي تستعيد مؤسساتها، وتنجح في جذب الاستثمارات وتوسيع اقتصادها، تصبح مع مرور الوقت، أكثر قدرة على فرض قرارها وتقليص نفوذ أي قوة موازية.. ولنا في التجربة السورية في عهد الرئيس احمد الشرع مثالاً على ان استعادة مؤسسات الدولة كانت المدخل الأول لاستعادة الحضور الدولي.

وفي المقابل.. بدا الزيدي حريصاً على عدم تحويل الزيارة إلى مواجهة مع إيران، فلم يتبن خطاب القطيعة، ولم يقدم نفسه بوصفه رأس حربة في صراع إقليمي، بل ركز على لغة المصالح والتنمية والشراكات الاقتصادية، في إدراك واضح بأن العراق الحالي لا يستطيع دخول صراع واسع مع ايران ونفوذها المتعدد الأوجه في العراق، بقدر ما يحتاج إلى إدارة توازناته بحكمة.

ولابد من التأكيد على ان ما بدا سهلاً في واشنطن، سيكون أكثر تعقيداً في بغداد.. فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل الدعم الامريكي إلى إصلاحات داخلية ملموسة، فملفات حصر السلاح، ومحاربة الفساد، وإعادة بناء المؤسسات، هي معارك شرسة داخل بنية حزبية/مليشياوية شديدة التعقيد، وإذا كانت الولايات المتحدة تستطيع أن تفتح أبواب الاستثمار، وأن تقدم الدعم السياسي والعسكري، فلن تستطيع إدارة الدولة العراقية نيابة عن العراقيين، وصحيح ان علي الزيدي نجح في تقديم نفسه شريكاً يمكن لواشنطن أن تراهن عليه، لكن الرهان الأكبر لا يزال معلقاً على قدرته في قيادة مشروع استعادة الدولة، وانقاذ البلاد من دوامة الأزمات التي استنزفتها طوال العقدين الماضيين.

ان الدول لا تصنعها الصور التذكارية مع زعماء العالم.. ولا كلمات الإعجاب في المؤتمرات الصحفية، بل تصنعها القرارات التي تتخذ عندما تنطفئ الكاميرات ويعود الجميع إلى عواصمهم، وهناك.. في بغداد، يبدأ الاختبار الحقيقي.

شارك المقال f 𝕏 in