أصدر مجلس القضاء الأعلى يوم الخميس 9 تموز/ يوليو «توضيحا» بشأن إجراءاته المتعلقة بقضايا الفساد، أعاد التذكير فيه بجريمة سرقة الأمانات الضريبية، وأن ما جرى فيها يمكن أن يسري على القضايا التي يحقق فيها بعد «غزوة الفجر» التي جرت يوم الأحد 28 حزيران، والتي ألقي القبض فيها على عدد من المتهمين بقضايا فساد، من بينهم نواب، ولم يصدر بيان رسمي حتى اللحظة، أي بعد مرور 18 يوما، يذكر أسماءهم أو عددهم أو التهم الموجهة إليهم، وهو ما يعكس حجم اللاشفافية في هذا الموضوع!
ولكن قراءة البيان تكشف بشكل لا لبس فيه أن مجلس القضاء الأعلى يتجاوز صلاحياته واختصاصاته الواردة في قانونه، ويتحول إلى جهة فوق الدستور والقانون!
بداية البيان لا يقدم معلومات صحيحة عن جريمة سرقة الأمانات الضريبية، فهو يصف ما قامت به الشركات الخمسة التي قامت ما بين أيلول 2021 و آب 2022 بسرقة مبلغ وصل إلى 3.7 ترليون دينار عراقي، أي ما يزيد عن 2.5 مليار دولار، بأنها «إجراءات غير أصولية في عملية سحب الأمانات» وليست سرقة! كما يقول أنه «تم اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتورطين بهذه الجريمة من أصحاب الشركات»، وهذا غير صحيح أيضا، فقد تم اتخاذ الإجراءات القانونية ضد متهم وحيد هو «نور زهير»، من دون أن نعرف حتى اللحظة ما الذي جرى للمتهمين الآخرين (من بينهم قاسم محمد المدير المفوض لشركة الحوت الأحدب والمتهم سرقة 988 مليار دينار عراقي. ومحمد فلاح عبد الله الجنابي المدير المفوض لشركة القانت والمتهم بسرقة أكثر من ترليون دينار عراقي. وعبد المهدي توفيق مهدي المدير التنفيذي لشركة الحوت الأحدب أيضا والمتهم بسرقة أكثر من 2 تريليون دينار عراقي. وهذه الأسماء والأرقام وردت في المؤتمر الصحافي لرئيس هيئة النزاهة في مؤتمر صحفي في1 آب 2024)!
ولكن الأخطر في البيان هي الاعتراف بعدم استقلالية القضاء في العراق، فهو يقول إنه «تم الاتفاق بين رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس مجلس الوزراء السابق، وبعد الحصول على موافقة القاضي المختص بالتحقيق في القضية على إطلاق سراح المتهم الأساسي … بكفالة ضامنة لإعادة تلك الاموال … مقابل تخفيف العقوبة عنه»! فهذا النص يسوغ اتفاقا على انتهاك مبدأ الفصل بين السلطات الذي يقرره الدستور العراقي، ويجعل القرارات القضائية خاضعة للاتفاقات السياسية وليس للقانون، ويجعل لرئيس مجلس القضاء الأعلى سلطة على التدخل في القضايا المعروضة أمام القاضي المختص بخلاف الدستور والقانون، وأخيرا يتحدث عن اتفاق على تخفيف العقوبة مقابل إعادة المال المسروق من دون وجود أي سند قانوني في المدونة القانونية العراقية يتيح ذلك!
ثم يقول البيان «وسافر المتهم المذكور خارج العراق، وتوقفت عملية التسديد»، وكأن سفره كان أمرا طبيعيا، من دون أن يقول لنا ما السند القانوني الذي اعتمده القاضي ضياء جعفر في إطلاق سراح المتهم من الأصل؟ وفي رفع الحجز عن شركاته وعقاراته هو وزوجته؟ وفي رفع منع السفر عن المتهم؟
أخيرا يقول البيان إنه بعد الحكم غيابيا عليه، قدم طلبا لشموله بأحكام قانون العفو العام لعام 2025 مقابل إكمال عملية تسديد بقية المبلغ المترتب بذمته، وأن القضاء قد فاتح وزير المالية «على آلية تسديد المبالغ المترتبة بذمة المحكوم حسب قانون تعديل قانون العفو ولم ترد إلى المحكمة أي إجابة بخصوص ذلك لذا بقي موضوع شمول المحكوم المذكور بقانون العفو معلق لحين الاتفاق مع وزارة المالية»! ولكن بالعودة إلى المادة 1/ ثالثا من قانون العفو سنجد أنها تنص على أنه «ﻻ يخل شمول المحكومين بأحكام قانون العفو العام من استحصال المبالغ المترتبة بذمتهم بإجراء تسوية مع الجهات المتضررة، او وفقاً لقانون تحصيل الديون الحكومية رقم 56 لسنة 1977، أو قانون التضمين رقم 31 لسنة 2015 أو أي قانون آخر يحل محلهما». وكما هو واضح فان القانون لا يتحدث مطلقا عن «تسديد كامل المبلغ المترتب بذمتهم»، بل يتحدث عن «تسوية» مع الجهة المتضررة من دون أي شروط، لأن قانون تحصيل الديون الحكومية لا ينطبق على السرقة، ولأن قانون التضمين يتحدث عن «الأضرار التي تكبدتها الخزينة العامة بسبب إهماله او تقصيره أو مخالفته القوانين والقرارات والأنظمة والتعليمات» ولا ينطبق على السرقة أيضا!
أما المادة 2/ عاشرا/ أ فهي تنص على عدم شمول «جرائم اختلاس وسرقة أموال الدولة وإهدار المال العام وجرائم الفساد المالي واﻹداري ما لم يسدد ما بذمته من أموال بإجراء تسوية مع الجهة المتضررة تضمن استرداد الأموال العامة على أن يسدد المبلغ كاملا» وكما هو واضح فإن هذه المادة تشترط «استرداد المبلغ كاملا» وليس جزءا منه في أي تسوية، ولكنها تعطي مساحة واسعة لإجراء التسوية، حتى لو بتسديد المبلغ على مدى طويل، وربما من أرباح المبلغ المسروق نفسه!
كل هذه المقدمات التي جاءت في البيان كانت تريد الوصول إلى رسالته الرئيسية، وهي أن المتهمين الذين ألقي عليهم القبض في «غزوة الفجر» سوف «يتم اتباع نفس الإجراءات المشار إليها فيما تقدم في حال كون جريمة أي منهم مرتكبة قبل تاريخ نفاذ قانون تعديل قانون العفو و يسدد ما بذمته من أموال إلى الوزارة المتضررة»! أما في حالة أن تكون الجريمة مرتكبة بعد نفاذ قانون العفو فإنه «يجري البحث حاليا وبالاتفاق مع السيد رئيس الوزراء لوضع خارطة طريق تتفق مع الآليات الدستورية والقانونية لتحقيق الهدفين المنوه عنهما في إعادة أموال الدولة مقابل تخفيف الإجراءات القانونية بحق من يعيد تلك الاموال طوعا»! وكأن قانون العفو قدر لا بد للعراقيين من الإيمان المطلق به، وعدم الاعتراض عليه. وأنه ليس بإمكان رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء أن يقدما مشروع قانون تعديل قانون العفو، أو أن يتقدم أعضاء مجلس النواب أنفسهم مقترح لتعديل قانون العفو، بما لا يتيح للفاسدين والمستثمرين في المال العام الشمول بالعفو من الأصل! أو أن ينشر رئيس مجلس القضاء الأعلى، كما يفعل دائما، مقالا يطلب فيه من هؤلاء جميعا أن يعدلوا قانون العفو بما لا يتيح للفاسدين والمستثمرين في المال العام الشمول بالعفو!
أما موضع البحث بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء، فبعيدا عن انتهاكه لمبدأ الفصل بين السلطات ثانية، وتسييس القضاء ثانية، وجعل الاتفاقات السياسية لها العلوية على الدستور والقانون ثانية، فهو يشير بشكل صريح إلى وجود إرادة لتحصين الفاسدين عبر إجراء تسويات مالية ذات طبيعة سياسية، وليست قانونية، على الرغم من أن هكذا إجراءات تحتاج إلى تدخل تشريعي وليس اتفاقات سياسية!
العقوبة ليست «خيارا» في حالة سرقة المال العام، بل جزاء قانوني يهدف إلى الردع وحماية النظام العام وتحقيق العدالة، ومن ثم فإن السماح للفاسدين والمستثمرين في المال العام من الإفلات من العقاب، عبر قوانين العفو العام المسيسة المصممة أصلا لضمان إفلات الفاسدين من العقاب، أو عبر تسويات «سياسية»، إنما هو تحصين للفساد وليس مكافحة له!