ليست كل التحولات الكبرى تعلن في بيانات رسمية، ولا تبدأ دائماً بصخب سياسي، أحياناً، يكفي أن تراقب اتجاه الأحداث، فتكتشف أن ما يبدو قرارات محلية متفرقة، ليس سوى أجزاء من لوحة أكبر يجري رسمها بهدوء.. وهذا ما يوحي به المشهد اليوم.
فالحملة الواسعة على الفساد في العراق، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، والتقدم في ملف حصر السلاح، والانفتاح المتزايد على الشراكة مع الولايات المتحدة، ليست ملفات منفصلة كما قد تبدو للوهلة الأولى، بل حلقات مترابطة في مسار سياسي جديد، يقوم على إعادة إنتاج الدولة باعتبارها المرجعية الوحيدة للقرار السياسي والأمني والاقتصادي.
ومن يراقب الإقليم يلاحظ أن العراق ليس الدولة الوحيدة التي تتحرك في هذا الاتجاه.
في سوريا، تتجه الجهود الدولية والإقليمية نحو تثبيت مؤسسات الدولة الجديدة، وإعادتها إلى محيطها العربي والدولي، وفتح الباب أمام إعادة الإعمار والاستثمار.
وفي لبنان، تتزايد الضغوط السياسية والدبلوماسية والاقتصادية لإعادة الاعتبار للدولة، وتعزيز دور الجيش، وإنهاء حالة ازدواجية القرار الأمني التي طبعت البلاد طوال سنوات.
قد تختلف الأدوات من بلد إلى آخر، لكن الفلسفة تبدو واحدة، فالمرحلة التي كان للنفوذ الإيراني دور كبير داخل هذه الدول تقترب من نهايتها، لتحل محلها مرحلة أخرى عنوانها إعادة بناء الدولة المركزية، وإعادة احتكارها للقوة والسلاح والقرار.
ومن هنا، يصعب النظر إلى ما يجري في بغداد باعتباره شأناً عراقياً صرفاً، فالعراق يبدو اليوم المختبر الأول لهذا التحول، ليس لأنه يشبه لبنان أو سوريا في كل تفاصيله، بل لأنه يمتلك الظروف التي تسمح بتطبيق هذا النموذج قبل غيره، وإذا نجح، فمن الطبيعي أن يتحول إلى مرجع سياسي وأمني يمكن البناء عليه في ساحات أخرى.
ولا يتعلق الأمر فقط بالسلاح، ولا بالفساد وحده، ولا حتى بالعلاقة مع الولايات المتحدة، بل بإعادة تعريف وظيفة الدولة نفسها، بعد سنوات طويلة من تقاسم النفوذ بين المؤسسات الرسمية والقوى المسلحة والفاعلين الخارجيين.
لهذا، فإن القراءة الأكثر أهمية ليست في متابعة كل قرار يصدر في بغداد، بل في فهم الاتجاه الذي تتحرك فيه المنطقة بأكملها، فالخرائط السياسية لا تتغير دائماً بالحروب، بل كثيراً ما يعاد رسمها عبر الحكومات، والإصلاحات، والاقتصاد، وإعادة توزيع مراكز القوة.
وربما لهذا السبب تحديداً، يبدو أن ما بدأ في بغداد لن يبقى في بغداد.