في مشهد يبدو أقرب إلى فيلم كوميدي أسود منه إلى قضية فساد حقيقية، وفي بلد اعتاد سماع قصص الفساد الخيالية، يبدو أن الواقع ما زال قادراً على التفوق على أكثر السيناريوهات جنوناً.
ففي الوقت الذي يعجز فيه ملايين العراقيين عن الاكتفاء بالراتب حتى اخر الشهر، فإن زوجة وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي وشقيقته، لم تجدا طريقة أفضل للتعامل مع ملايين الدولارات سوى إلقائها في تنور طيني وإشعال النار فيها، قبل وصول القوات الأمنية.
نعم… صدق أو لا تصدق..
خمسة ملايين دولار أميركي، ومليارات من الدنانير العراقية، لم تذهب إلى مشاريع تنموية، ولم تصرف على مدارس أو مستشفيات أو طرق، بل انتهت وقوداً لنار مشتعلة داخل مزرعة في صلاح الدين!
ولعل الجانب الأكثر إيلاماً في الحكاية ليس الأموال المحترقة، بل المقارنة القاسية التي تفرض نفسها على ذهن أي عراقي.. ففي اللحظة التي كانت فيها تلك الملايين تتحول إلى رماد داخل التنور، كان موظف متقاعد يحسب ثمن أدويته، وكانت أرملة تبحث عن راتب إعانة، وكان شاب جامعي يحمل ملفه من دائرة إلى أخرى بحثاً عن وظيفة، وكان أب يبيع قطعة من أثاث منزله لتسديد إيجار البيت.
ولعل هذه الجريمة، لا تتعلق بإتلاف أوراق نقدية فحسب، بل بإحراق جزء من أحلام الناس وحقوقهم وفرصهم.
أما عن العقوبة المستحقة، فالسجن وحده لا يكفي، لأن العقوبة الحقيقية يجب أن تبدأ باسترداد كل دينار تمت سرقته، ومصادرة كل عقار تم شراؤه من المال العام، وتجريد الفاسدين من كل الذي حصلوا عليه بغير وجه حق.
ويفترض أن تمتد العقوبة إلى كل من وفر الحماية، وكل من وقع، وكل من سكت، وكل من شارك في بناء منظومة جعلت موظفاً قادراً على جمع ثروات تكفي لإشعال النار بملايين الدولارات.
أن الأجيال المقبلة ستتذكر أن حقبة كاملة في العراق شهدت مسؤولين بلغ بهم فائض المال إلى درجة استخدام الدولار والدينار حطباً للتنانير، فيما كان ملايين المواطنين يبحثون عن ثمن الخبز الذي يخرج من تلك التنانير نفسها.
لقد أحرقوا العراق كله قبل أن يحرقوا هذه الملايين.. عليهم لعنة الله ورسوله وملائكته، ولعنة التاريخ، ولعنة كل عراقي دفع ثمن فسادهم من عمره ورزقه ومستقبل أبنائه.