مآل

بغداد المفتونة بساعات مفقوديها التي لا تعمل

25 يونيو 2026
بغداد المفتونة بساعات مفقوديها التي لا تعمل

بلغة الحرب فإن المفقود ليس أسيرا ولا ميتا. إنه شبح لا يعترف بوجوده أحد غير أنه يتحرك بخفة بين السجلات، إسما ورقما من غير أن يستعيد هيئته وشكله اللذين يعبران عن تاريخ مروره الحسي بالأشياء التي أعتقد أنها قد اكتسبت بطريقة عابرة شيئا من عاداته. "مفقود" ليست صفة. إنها حالة. كيان إيقاعي معقد يلف الآخرين بآهاته التي لا يسمعها أحد. 

في الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثمانية أعوام كثر المفقودون. نساؤهم مؤجلات وأبناؤهم ليسوا أيتاما. ماذا يعني ذلك بلغة الدولة؟ لا شيء. المفقود لا راتب شهري له. لا حقوق لأهله. قوة الإلغاء تغلب الميزان. ينقطع التسلسل وتضحك الأرقام من غبائها.

 "أما كان الأمام الغائب مفقودا حتى تم التكلم باسمه باعتباره حجة آخر الزمان؟" سؤال ليس من باب السخرية ولكنه ينطوي على عتاب الأمهات. الأمهات لديهن ذاكرة الوعول التي لا تخطئ طريقها على الرغم من هلعها من رصاص الصيادين الذي يحيط بها.

 لقد مر أولئك المفقودون بكراجي النهضة والعلاوي. من النهضة ذهبوا إلى الجنوب ومن العلاوي ذهبوا إلى الشمال. شربوا الشاي بعد أن أكلوا البيض المقلي. ما الذي حدث يعد ذلك؟ ناموا في الحافلات كما لو أنهم موتى. لم تكن لديهم أسماء. لكل واحد منهم أحلامه الصغيرة. ولكن بغداد وقد كانت حلمهم المؤجل كما يحدث في السينما لم تستقبلهم إلا باعتبارهم أشباحا. شربوا شايها. لم تكن كريمة.

قريبا من المتحف العراقي كانت طوابير الجنود تقف ولا تفكر في التاريخ. مازحت صديقي فوزي رشيد وهو مؤرخ وآثاري "ما الذي يفكر فيه الجنود في كراج العلاوي؟" قال لي ضاحكا "من المؤكد أنهم لم يفكروا في أوروك بل في بغداد. كان ذلك خطأً عظيما".

ظل يقتفي أثر أصله

انتهت الحرب العراقية الإيرانية عام 1988. لا يزال هناك مفقودون عراقيون. ما هذا اللغز؟ مات آباؤهم وشاخ أبناؤهم. أما الأحفاد فقد تعلموا أن يجيبوا على سؤال "ماذا كان جدك يعمل؟" بـ"مفقود" تلك هي مهنته الأخيرة. المهنة التي لم يحترفها ولكنه عُرف بها أو يتم التعريف به من خلالها. وهي مهنة غامضة، يصلح التباسها أن يكون موضع تأويل.

ليس مهما التعريف بمَن فقدته. الأم، الزوجة، الأخت وبنته أو بناته. سلسلة من النساء اللواتي يقفن في ظله الذي هو نسخة لم يعد لها أصل. الشجرة التي تم اقتلاعها من بستان العائلة لم تأخذ ظلها معها. بقي الظل صامتا كما لو أن الزمن لا يتكلم. تلك حكاية أو حكايات لم تأخذ طريقها إلى مقبرة وادي السلام بالنجف.

ولأن المفقود لا يأخذ من ذاكرته إلا بياضها فإن كل الصفحات المكتوبة بحبر آلامه وضحكاته وآهاته ومسراته، ما بين أول خميس في المدرسة وهو يردد النشيد وبين آخر يوم في الجامعة وهو يقبل زميلته، ما بين بكائه وهو يحتضن أول أولاده وبين خروجه خلسة من البيت فجرا ليلتحق بكتيبته آخر مرة صارت إرثا عائليا. رواية كتبها أعمى وينصت إليها أصم. أما الذي يقرأها فإنه مضطر لإختراع كلمات لم يقلها أحد. كلمات متقاطعة لا تمتلأ الفراغات في جداولها حتى تفرغ وبسرعة قياسية.

الهذيان وحده هو الأسلوب الوحيد الذي يعين النجار على صنع تابوت لميت لا يعرف مقاييس جسمه ولا وزنه ولا سعة خياله. ولكن ألا يستغني الموتى عن الخيال؟ الموت في هذه الحالة هو أشبه بالأربعاء التي لن تأتي لأن الإثنين امتد ليبتلع الثلاثاء. لا أربعاء من غير ثلاثاء. يتسلي النجار بفكاهاته لكي يؤجل رغبته في البكاء تضامنا منه مع أهل الميت الذين لم يعثروا على جسده بعد أن وهبته السجلات صفة مفقود.

لغة الساعات الخفية

ولكن ما هو عدد المفقودين في حرب الثمان سنوات تلك؟ "52785" إسم في السجلات الرسمية. لكل إسم رقم ورتبة عسكرية وعنوان منزلي وتاريخ ميلاد ووظيفة مدنية وسواها من المعلومات التي لا قيمة لها. ليس المطلوب أن تكون السجلات الباردة لائحة انتظار.

 لي صديق مفقود كان قد حدثني بإعجاب عن فيلم "ذهب مع الريح". أخبرته أنني قرأت رواية مارغيت ميتشيل فلمعت عيناه وقال "لم تر إذاً فيفيان لي" قلت له "غدا يوم آخر" حينئذ تأملني ولم يقل كلمة. في مساء لاحق سألني "ألنا مساء آخر؟" كانت مهمة عبثية أن أبحث عن اسمه بين ال"52785" إسم. فكرت في قوائم الأسماء التي تُخط على النصب التذكارية. لا معنى للخلود الذي يحول عناصره إلى مادة صمغية.

 لا فرق بين الحروف التي لا تنتج لغة. فالفقد لغة لا حروف فيها. لغة تنتجها الانتظارات والدموع والأحلام والزفرات وما يقع في الصدر من غير أن يُسمى وما يلمع في العين من غير أن يهيم برؤيته. الأدهى وأكثر إيلاما أن بغداد نسيت مفقوديها. لم تقم نصبا تُكتب عليه أسماؤهم حتى وهو أضعف الإيمان. لقد اختفوا واختفى مساؤهم الآخر معهم. كان صاحبي الذي ذهب مع الريح محقا حين سألني عن مسائنا الآخر. لم أكن يومها أملك الجرأة لأسأله عن النهار الذي يلي ذلك المساء. لا يزال ذلك النهار مؤجلا لا لشيء إلا لأنني لم أذهب بساعة يده العاطلة التي تركها لدي إلى الساعاتي.

شارك المقال f 𝕏 in