مآل

تشـييع خامنئي في النجف… إعلان موت الدولة العراقية

28 يونيو 2026
تشـييع خامنئي في النجف… إعلان موت الدولة العراقية

لم يكن العراقيون بحاجة إلى دليل إضافي على حجم الانهيار الذي أصاب معنى الدولة بعد 2003، لكن الدليل هذه المرّة جاء فاضحاً إلى حدّ الوقاحة: وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يعلن من قلب بغداد، وبجوار وزير خارجية حكومة الإطار التنسيقي فؤاد حسين، أن بلاده “تنسّق الآلية لتشييع علي خامنئي في العتبات المقدسة بالعراق”.

جملة واحدة تكفي لإعادة تعريف العراق المزيف: ليس دولة، بل “محافظة إيرانية” كما يراها عراقجي، وكما يتصرّف معها المسؤولون العراقيون الذين لا يجدون في هذا الكلام ما يستحق حتى مجرّد الاعتراض.

المفارقة أن هذه ليست المرة الأولى التي يُستدعى فيها العراق ليكون مسرحاً لطقوس موت إيراني. فهناك وصية منسوبة للخميني تقول إنه كان يريد أن يُدفن في النجف. لم يُعلن عنها في حياته، ولا بعد موته، بل انتظرت لحظة سقوط العراق كي تظهر إلى العلن. يومها، بعد 2003 مباشرة، بدأت محاولات نقل جثمانه إلى النجف، وكأن الاحتلال الأميركي كان مجرد فرصة ذهبية لتسوية حسابات مؤجلة مع مدينة لم يعد لها من سيادتها سوى اسمها.

الخميني نفسه، الذي تجرع السم مرغماً في هزيمة بلاده أمام العراق، أراد أن يعود للعراق وهو ميتا! لم يجرؤ على إعلان تلك الوصية في زمن العراق الحقيقي. كان يعرف أن النجف ليست “حديقة خلفية” لقم، وأن العراق لم يكن يوماً أرضاً مباحة لخيال الولي الفقيه. لكن بعد الاحتلال، تغيّر كل شيء، صار بالإمكان تحويل الوصايا المؤجلة إلى مشاريع سياسية، وتحويل العراق إلى مساحة مفتوحة لتجارب النفوذ الإيراني.

اليوم، يأتي عراقجي ليكمل المشهد بلا خجل. والخجل هنا لا يعني عراقجي، بل يعني أولئك الذين يسمّون أنفسهم “مسؤولين عراقيين” ويقفون أمام هذا الكلام كأنهم موظفون في دائرة تابعة لوزارة الخارجية الإيرانية. لا أحد يسأل: بأي حق؟ ولا أحد يجرؤ على القول إن العتبات المقدسة ليست جزءاً من بروتوكول دولة أجنبية، وإن العراق ليس قاعة انتظار لجنائز قادمة من طهران.

إن إعلان عراقجي ليس مجرد تصريح عابر، بل هو اختبار متعمّد لقياس درجة الانهيار في مفهوم السيادة العراقية. اختبار يقول: هل بقي في بغداد من يستطيع أن يقول “لا” لإيران؟ والجواب، كما يبدو، واضح ومؤلم.

فحين يصبح الحديث عن تشييع مرشد إيران في النجف أمراً “طبيعياً”، فهذا يعني أن العراق لم يعد يُعامل كدولة، بل كامتداد جغرافي لنفوذ الولي الفقيه.

وحين يقف وزير خارجية العراق المزيف إلى جانب نظيره الإيراني من دون أن يرفّ له جفن، فهذا يعني أن بغداد لم تعد حتى تحاول التظاهر بأنها صاحبة قرار.

المسألة ليست في مراسم تشييع، بل في رمزية الإعلان نفسه، إيران تقول للعراقيين، وللعالم، إن العراق جزء من سرديتها، من جغرافيتها السياسية، من طقوس موتها وحياته. والمسؤولون العراقيون يكتفون بالابتسام أمام الكاميرات.

هكذا، وببساطة جارحة، يتحوّل العراق إلى “ممرّ جنائزي” في خيال طهران، وإلى مساحة بلا سيادة في واقع بغداد.

شارك المقال f 𝕏 in