الحقيقة الماثلة التي أفرزتها السنوات الخمسين الماضية أن الشعب يؤجل النظر في مشكلاته حتى لو تحولت لازمات متراكمة، وحتى لو زج بحروب لا طائل منها، لأنه أدمن الانتظار والبكاء على الأطلال، وتعود على الذل والمهانة وهو يردد (هيهات منا الذلة) مقولة الامام الحسين سيد الشهداء.
يرى كل تلك التناقضات والنقائص التي تخلفها السلطات الحاكمة التي تقتل وتنهب وتسرق بدون وجع گلب، وتحكي بالمظلومية والمكون والمحاصصة فيما يسرق المال العام في وضح النهار، ويجلس السراق في قصور السلطة، او يبنون القصور والمجمعات السكنية من المال السائب، تحت أعين المطالبين بـ(هيهات منا الذلة).
وقد بات لدينا كتل من المنافقين الأفاقين المحتالين يؤمنون بشي ويقولون عكسه، لأنهم منتفعون او جهلة استدرجهم النظام السائد ليكونوا مجرد أدوات يسمونهم (صفاقة)، يجلسون في الصفوف لينشدوا الفتات من موائد الساسة، وهم يعرفونهم حق المعرفة بأنهم سراق ولصوص، مكانهم المحاكم والسجون.
لكن العامة الذين استدرجوهم لقفص الوظيفة، يظنون انه فضل لا فضل بعده، لانهم عُيونوا في وظائف ليأخذوا بضعة دنانير، لا تساوي شيئا من سرقات وصفقات المسؤولين والحيتان.
لقد توالد جمهور من المنتفعين، لا يحول دون بناء وطن حر فحسب، بل يمنعون الأحرار من تنبههم او توعيتهم بحقوقهم المشروعة، وهم في المحصلة يمنعون قيام الدولة العادلة التي تكفل حقوقهم وحرياتهم، لا يهم شكل الخدمات التي تقدم، ولا الحرية التي ترتجى، ولا العدالة التي تصون كرامتهم.
انها الدولة الموحدة التي تدافع عن وجودهم، وتقوم على رابطة مقدسة هي الوطنية الحقة، التي يتساوى فيها الناس مهما اختلفوا في الدين والعرق والإثنيات والطوائف، في وطن يكفل حرياتهم ويصوت كرامة الإنسان.
اذن.. هناك صراع، بل معركة تدور في العلن، ولم تعد في الخفاء، بين أفكار تنشد حرية الإنسان في دولة محترمة، وبين مجاميع ادمنت الفوضى وخلط الأوراق، بهدف تغطية السرقة والمنافع، بين المواطنة الحقة.. والتبعية المذلة التي تسعى لخلط الأوراق لتستمر الفوضى.
وهناك أيضاً ازمة مجتمعية تتمثل بوجود ملايين البشر الذين لا يشعرون بوجود ازمة مجتمع تتجاوز السياسة والترويج لعملية سياسية عقيمة مستوردة، ولا يستشعرون ان الدولة العراقية مهددة الوجود.
لقد رُكبت بصلة المواطنة من نوع آخر، أصبحت مرتبطة بوجود رواتب من عدمها، في أزمة يصنعها المنتفعون، ويقف أمامها المحرمون وهم يشاهدون ما يكسبه اولئك الموالين للسلطة والحكم، من دون ادراك بأن الوضع كله مركب باتجاه فرض المحاصصة، واشاعة التفتت، ونحر قدرات البلد على أيدي الفاسدين.
انها منظومة تفرض الخوف والتردد والإحباط، لكي تستمر بنهب موارد الشعب وإفقاره، و تضعنا جميعا امام سؤال واحد يجب ان يجيب عنه كل مواطن: أن تكون عراقياً في بلد موحد، وتعيش بكرامة في دولة.. او لا تكون؟!