بعيداً عن الجدل الذي سيرافق حتماً أسماء الأعضاء، فإن الحدث الأهم ليس من دخل مجلس الشعب، بل أن سوريا الجديدة تبني مؤسساتها الدستورية بصورة متدرجة.
فالدول لا تدار بالثورات إلى الأبد، ولا يمكن لأي سلطة، مهما بلغت شعبيتها، أن تستمر بالاعتماد على الشرعية الثورية وحدها، فهذه الشرعية كانت ضرورية لإسقاط النظام السابق، لكنها لا تكفي لبناء دولة مستقرة وقادرة على الاستمرار.
ولهذا، فإن تشكيل مجلس الشعب يمثل انتقالاً تدريجياً من مرحلة إسقاط النظام إلى مرحلة بناء النظام الجديد، وهو تحول تحتاجه سوريا بشدة بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام.
ومن اللافت أيضاً أن قائمة المعينين لم تقتصر على شخصيات سياسية أو حزبية، بل ضمت ناجين من معتقلات النظام السابق، وذوي ضحايا، إضافة إلى زيادة واضحة في تمثيل المرأة، وهو ما يحمل رسالة سياسية واجتماعية بأن الدولة الجديدة تمنح مكاناً داخل مؤسساتها لمن دفعوا الثمن الأكبر خلال سنوات الصراع.
كما أن تأجيل اختيار ممثلي محافظة السويداء، بدلاً من فرض أسماء أو إجراء شكلي، يعكس رغبة في إبقاء الباب مفتوحاً أمام مشاركة جميع السوريين عندما تصبح الظروف أكثر ملاءمة، وهو خيار يبدو أكثر واقعية من إنتاج تمثيل يفتقر إلى التوافق.
ولا يعني ذلك أن التجربة ستكون خالية من التحديات أو الانتقادات، فالمجلس سيواجه اختباراً حقيقياً في قدرته على ممارسة دوره التشريعي والرقابي، بعيداً عن أن يتحول إلى مؤسسة شكلية كما كان الحال لعقود في ظل النظام السابق.
لكن، في المقابل، فإن الإبقاء على الفراغ المؤسسي لم يكن ليخدم سوريا أيضاً. فإعادة بناء الدولة لا تبدأ بإعادة الإعمار فقط، وإنما تبدأ ببناء المؤسسات، وترسيخ القانون، وخلق مساحات للعمل السياسي المنظم.
لقد نجح السوريون في إسقاط نظام دموي طائفي استمر أكثر من نصف قرن، ونجاحهم الأكبر هو بقدرتهم على بناء دولة المؤسسات.. ومجلس الشعب الجديد، يمثل خطوة في هذا الاتجاه، ويبقى تطويره وتعزيز استقلاليته مسؤولية المرحلة المقبلة.