حين دوى الانفجار في قلب دمشق، لم يكن الهدف مقهى، ولا شارعاً، ولا مجموعة من المدنيين الأبرياء.
كان الهدف شيئاً أكبر بكثير..
كان الهدف أن يقتنع السوريون بأن الحرب لم تنته، وأن السلام الذي بدأ يلوح في الأفق مجرد وهم، وأن دمشق محكوم عليها أن تعيش رهينة الخوف إلى الأبد.
لكن الحقيقة مختلفة..
فالإرهاب لا يفجر المدن التي تنهار، بل يفجر المدن التي بدأت تتعافى.
ولا يحارب الدول الفاشلة، بل يحارب الدول التي عادت تقف على قدميها.
ولهذا، فإن الدم الذي سال الخميس في دمشق ليس سوى فصل جديد من حرب قديمة، تغيرت أدواتها ولم تتغير غاياتها.
إنها حرب منع سوريا من استعادة نفسها.
فما من أمة تقتلع من تاريخها إلا وتتحول أرضها إلى ساحة لصراعات الآخرين، وما من دولة يختطف قرارها إلا وتصبح وطناً مفتوحاً للوصايات، وللتدخلات، وللتنظيمات المسلحة، وللإرهاب.. وسوريا دفعت ثمن ذلك أكثر من أي بلد عربي آخر.
لقد سرقت من محيطها العربي، وأُغرقت في صراعات المحاور، وتحولت، طوال عقود، إلى ساحة تتقاطع فوقها مشاريع الإقليم والعالم، حتى بدا وكأن دمشق فقدت حقها الطبيعي في أن تكون عاصمة لسوريا أولاً، وللعرب ثانياً.
واليوم.. بينما يعمل السوريون على إعادة بناء دولتهم، تعود قوى الفوضى لتقول إن زمن الاستقرار لم يحن بعد.
إن التفجير الذي استهدف دمشق ليس عملاً أمنياً معزولاً، بل رسالة سياسية بامتياز.. رسالة تقول إن كل محاولة لبناء دولة قوية ستقابل بالدم، وأن كل مشروع يعيد للمؤسسات هيبتها سيستهدف، وأن كل أمل بعودة الحياة الطبيعية سيحاصر بالإرهاب.
لكن التاريخ يعلمنا أن الإرهاب لا ينتصر.. قد يؤخر بناء الدول، لكنه لا يمنع قيامها.
ومن هنا، فإن ما تشهده سوريا اليوم ليس مجرد مرحلة انتقال سياسي، بل معركة استرداد بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
استرداد للدولة بعد سنوات الانهيار.. واسترداد للقرار الوطني بعد عقود من الارتهان، واسترداد لدمشق بوصفها عاصمة عربية، لا ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وليس المقصود باسترداد سوريا إقصاء أحد، أو الانتقام من أحد، أو بناء دولة الغالب والمغلوب، بل المقصود استرداد الدولة من الفوضى، واسترداد المواطنة من الطائفية، واسترداد القانون من السلاح، واسترداد الهوية الوطنية من مشاريع التقسيم والتبعية.
إن سوريا التي يحلم بها أبناؤها ومحبيها، هي دولة تتسع للجميع، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل أن يبقى قرارها الوطني رهينة لأي قوة خارج مؤسساتها، ولا أن تتحول هويتها إلى مادة للمساومة بين العواصم.
ولهذا يبكي الياسمين اليوم… ليس خوفاً من انفجار غادر، بل لأن دمشق دفعت من الدم ما يكفي، ولأن السوريين يستحقون، أن يعيشوا كما تعيش بقية شعوب الأرض.
ومن هنا، فإن التضامن مع سوريا ليس تضامناً مع حكومة، ولا مع تيار سياسي، بل مع شعب قرر أن يطوي صفحة الحرب، وأن يبني دولته من جديد، مهما حاول الإرهاب أن يعيده إلى الوراء، وسيفشل.. كما فشل كل الذين مروا على دمشق عبر التاريخ.
قد يبكي الياسمين اليوم.. لكنه كما اعتاد دائماً، سيزهر غداً.