لندن - سدن
بعد أن استخدمت طهران ورقة مضيق هرمز للضغط على الولايات المتحدة وحلفائها، تتجه الأنظار إلى احتمال انتقال المواجهة نحو أخطر مرحلة بحرية، مع تصاعد التلميحات الإيرانية إلى إمكانية استخدام جماعة الحوثي لإغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تضع اثنين من أهم الممرات النفطية والتجارية في العالم تحت التهديد المباشر.
ويأتي هذا التطور بالتزامن مع اتساع الضربات الأمريكية ضد أهداف داخل إيران، واستمرار العمليات العسكرية في الخليج، ما يدفع طهران - وفق تقديرات مراقبين - إلى توسيع نطاق المواجهة عبر استخدام حلفائها الإقليميين لزيادة كلفة الصراع على واشنطن والاقتصاد العالمي.
ويرى محللون أن إيران نجحت بالفعل في توظيف مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية، لكنها تمتلك ورقة أخرى لا تقل خطورة تتمثل في مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ويمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية وحركة الشحن بين آسيا وأوروبا.
تهديد حوثي
وأشارت وسائل إعلام إيرانية إلى تصريحات لمحمد الفرح، عضو المكتب السياسي في جماعة الحوثي، أكد فيها استعداد الجماعة لإغلاق مضيق باب المندب إذا تصاعدت المواجهة، مشيراً إلى إمكانية تنفيذ ذلك بالتوازي مع تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما قد يدفع أسعار النفط - بحسب قوله - إلى مستويات قد تصل إلى 200 دولار للبرميل.
ويعد هذا التهديد، بحسب خبراء، أول إشارة علنية إلى احتمال تنسيق عملياتي بين طهران والحوثيين لاستهداف أهم شريانين بحريين لنقل الطاقة في العالم.
ورقة الضغط الأخيرة
ويقول متخصصون في شؤون الشرق الأوسط إن مضيق هرمز يمثل أقوى أدوات الضغط الإيرانية، فيما يشكل باب المندب الاحتياطي الاستراتيجي الأخير الذي يمكن لطهران اللجوء إليه إذا توسعت الحرب بصورة أكبر.
ويرى هؤلاء أن الرسالة الإيرانية لم تعد تقتصر على تهديد الملاحة في الخليج، بل باتت تمتد إلى البحر الأحمر، بما يعني توسيع دائرة الخطر لتشمل التجارة الدولية بأكملها، وليس فقط صادرات النفط الخليجية.
تصعيد تدريجي
ويحذر محللون من أن أخطر ما يميز المرحلة الحالية ليس اندلاع حرب شاملة، وإنما استمرار ما يصفونه بـ”التصعيد التدريجي”، حيث يرفع كل طرف مستوى الضغط العسكري والسياسي دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، وهو ما يزيد احتمالات سوء التقدير واتساع رقعة الصراع.
ويعتقد مراقبون أن امتداد التوتر من الخليج إلى البحر الأحمر يضاعف الضغوط على الولايات المتحدة وإيران للعودة إلى طاولة المفاوضات قبل أن يتحول أهم ممرين بحريين للطاقة في العالم إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
السوابق موجودة
ولا يعد تهديد باب المندب سيناريوً افتراضياً، إذ سبق للحوثيين منذ أواخر عام 2023 استهداف عشرات السفن التجارية في البحر الأحمر، الأمر الذي أجبر شركات الشحن العالمية على تغيير مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح، ورفع تكاليف النقل البحري، ودفع الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تنفيذ عمليات عسكرية وتشكيل قوة بحرية متعددة الجنسيات لحماية الملاحة.
ويرى خبراء أمنيون أن إعادة استخدام هذا الأسلوب في ظل المواجهة الحالية سيضاعف الضغوط الاقتصادية العالمية، خاصة إذا ترافق مع استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز.
قرار بيد طهران
ويؤكد باحثون في شؤون الخليج أن الحوثيين ما زالوا يمتلكون القدرة العسكرية لتعطيل الملاحة في باب المندب، إلا أن اتخاذ قرار بهذا الحجم يبقى مرتبطاً مباشرة بالحسابات الإيرانية، وليس بالقرار الحوثي وحده.
ويشيرون إلى أن أي محاولة لإغلاق المضيق أو استهداف السفن التجارية قد تستدعي رداً عسكرياً واسعاً من الولايات المتحدة وشركائها، بهدف تقليص القدرات العسكرية للحوثيين ومنع تحول البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة دائمة.
ويخلص مراقبون إلى أن طهران باتت تحاول نقل المواجهة من إطارها الثنائي مع واشنطن إلى معركة تستهدف أمن الممرات البحرية العالمية، بحيث يصبح الضغط الاقتصادي الدولي جزءاً من أدواتها التفاوضية، في وقت يقترب فيه الصراع من واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ اندلاعه.