لا تتورّع الغالبيّة العظمى من الزعماء اللبنانيّين عن خيانة "لبنان الدولة"، وتدمير ما بقي منه، والتلويح بتقسيم جيشه، والتهديد بحربٍ أهليّةٍ مستجدّة، والمساهمة في تأجيج عصبيّاتها ونيرانها، من أجل تأبيد وجودها، والحفاظ على مصالحها، ومنع الإصلاح الجذريّ، ووأد أموال المودعين، وإبادة التحقيق في جريمة تفجير مرفأ بيروت، بل من أجل الفوز بتعيين مديرٍ عامّ وسفيرٍ، أو الحصول على صفقةٍ ورشوةٍ كبيرتَين، وكيسٍ من إسمنت، والتسبّب بجريمةٍ بيئيّةٍ رجيمة، تأكيدًا لاستمرار عضويّتهم الراسخة في "دولة الفساد اللبنانيّة العميقة".
ما أكثر هؤلاء، ولا يرفّ لأحدهم جفنٌ من تبكيتٍ وعذابِ ضمير، في لحظةٍ وجوديّةٍ مفارِقة، لم يسبق لخطورتها الكيانيّة والمصيريّة مثيلٌ في تاريخ لبنان الحديث. فالزمنُ زمنُ كيانٍ مهدّدٍ فعليًّا ونهائيًّا بالحذف من الجغرافيا السياسيّة للمنطقة. وها هم يعربدون ويرقصون ويشربون الدمّ. إنّهم، نعم، يرقصون ويشربون الدم ويعربدون.
في زمن المونديال هذا، كان أندره يلاقيني لحضور المباريات، ومصطفى يلاقيني من أجل الغاية نفسها. غاب أندره البهيّ في موته المأسويّ المبكر، وامتنع مصطفى المطعون في جبله العامليّ وأرضه وأهله وأحبابه عن الاهتمام بالمونديال، منكفئًا على أعطابه الروحيّة. يا لها من أعطاب.
بقيتَ أنتَ، يا سيّد نيتشه، تدعوني إلى الرقص. وها أنا أرقص، لكنْ رقصةَ الذبيح فوق مقبرةٍ عموميّة.
ذكِّرْني يا سيّد فريدريتش، متى يكون الرقص هو الحلّ، ومتى الشعر هو أيضًا الحلّ؟
لم تترك مناسبةً في "هكذا تكلّم زرادشت" و"العلم المرِح"، وغيرهما، إلّا تحدّثتَ عن شغفكَ بالرقص، حدَّ قلتَ يومًا إنّكَ لن تؤمن بإلهٍ، ولا تتصوّر إلهًا لا يعرف كيف يرقص، وإنّكَ أضعتَ كلّ يومٍ لم ترقص فيه مرّةً واحدةً على الأقلّ.
أنتَ تومئ إلى رقصة الروح لا فقط رقصة الجسد، مستحبًّا أنْ يكون في المرء شيءٌ من الفوضى لكي يلد نجمةً راقصة. فالفكر ينبغي له أنْ يكون خفيفًا متحرّكًا وقادرًا على التحليق، وإلّا وقع في الجدّيّة الثقيلة، وأنتَ كتبتَ كارهًا مَن لا يعرف من الأشياء إلّا ما يجعلها ثقيلة. ألا ينطبق كرهكَ هذا على نتنياهو وترمب والخامنئي والحرس الثوريّ و"حزب الله" والطبقة السياسيّة اللبنانيّة المقيتة، وهلمّ!؟
فحبّذا، يا سيّد نيتشه، حبّذا لو الروح خفيفةٌ وطائرةٌ، حدّ فقدان الجاذبيّة، فتنجو ممّا يشدّها إلى أرض الواقع اللبنانيّ، حيث الرقصة الوحيدة المتاحة هي رقصة الموت والعدم.
قلْ لي يا فريدريتش، كيف يرقص العالم اليوم، وعلى أيّ إيقاع؟ أليست هي رقصة الجنازات بامتياز، من لبنان إلى مجاهل الأرض؟
أهو الرقص، أم فرفرة المذبوح تحت السكّين؟
أمضي وقتي كلّه تقريبًا – إلّا قليله القليل – "راقصًا"، لكنْ على طريقتي؛ إمّا بكتابة الشعر، وإمّا بعيش الحياة شعريًّا، من طريق الاستغراق في الحالة الشعريّة، لا بحثًا عن منفذٍ، وخلاص، بل عشقًا للغة، وتحصينًا لأعطاب الذات من شرّ الارتطام بالأمر الواقع. ثمّ أجدني أضحك على نفسي، ساخرًا، من فرط الإدراك أنْ لا شعر، ولا رقص، ولا أيّ فنٍّ، يمكنه أنْ يواجه رقصة العته الكونيّ هذه.
لا حلول يا فريدريتش، مع هذا العالم، لا حلول من طريق الرقص، ولا من طريق الشعر والفنّ.
كان ثمّة توازنٌ هامشيٌّ ضئيلٌ للغاية في الحياة، من مثل قدرة الحلم على تهديد دولة الفساد وإطاحتها، واختراع فرصة أملٍ راقصة وشاعرة، كالوقوع صعقًا في نظرة امرأة، أو حضور المونديال مع صديقَين، فلم يعد هذا الهامش موجودًا، ولا الحلبة عادت تتّسع لأيّ هامش.
قلْ لي كيف. كيف يمكن القتيل أنْ يرقص فوق – تحت قبره، يا سيّد نيتشه؟!