عرض وتعليق: رنا بدري سلوم
تتوزّع عناوين كتاب «هبوط اضطراري» للدكتور عبد القادر المنلا بين مفارقات لاذعة وسخرية ذكية، وكأنها شظايا من واقعٍ يُعاد تأمله بروح ساخرة ونبرة نقدية لافتة.
فمن «هبوط اضطراري» إلى «الأرانب الطائرة» ومن «أنا والصلع وهواك» إلى «حنّ الحديد على حالو»، تتجاور العناوين في لعبة لغوية قائمة على المفارقة وإثارة الدهشة، حيث يلتقي اليومي بالبسيط والعبثي بالرمزي.
ويمضي الكاتب في هذا النهج ليقدّم عناوين من قبيل «عندما ينجح الفشل» و«فيروز تبيع الغاز» و«اللعيلوجيا» و«العنوسة الفكرية» وهي عناوين صاخبة في ظاهرها، لكنها تخفي خلف ضجيجها نزعة تأملية ساخرة تكشف خللاً اجتماعياً، أو تناقضاً فكرياً أو مفارقة إنسانية، بأسلوب يمزج بين الطرافة والعمق.
كذلك هي عناوين لا تمرّ بهدوء، بل تستفز القارئ وتدفعه إلى التساؤل، في كتابة تتكئ على روح الدعابة السوداء، وتراهن على الصدمة الفكرية الهادئة، لتفتح باب التأمل أكثر مما تقدّم إجابات جاهزة.
استعارة (الهبوط الاضطراري)
الهبوط الاضطراري، في معناه التقني، هو إجراء استثنائي يتخذه قائد الطائرة عند مواجهة أزمة طارئة أثناء التحليق، بما يهدد سلامة الرحلة، مما يستلزم تغيير المسار والهبوط في أقرب مدرج أو موقع ممكن، غير أن هذا المفهوم برمزيته يمتد ليعكس حالات إنسانية نعيشها، تستدعي التوقف وتحويل المسار مهما كان الثمن.
من هنا جاءت فكرة المنلا ليكتب بأسلوبه النقدي الساخر «هبوط اضطراري»، الذي يفتح باباً واسعاً للبحث والتمحيص في سلوكيات اعتادها الوسط الثقافي في مرحلة ما قبل عام 2011، في سياق ما يُعرف بالقراءة النقدية للواقع الثقافي السوري.
يرى المنلا أن الحقيقة الأساسية التي ستتكشف لاحقاً تتمثل في أن عملية «التوريث» كانت المنعطف الأخطر في حياة السوريين، ويقول في حديثه لـ« الثورة السورية» إن ما تلا تلك العملية هو تحوّل الوهم إلى واقع فعلي، إذ دخل السوريون في حالة من الصدمة العميقة، لأنهم لم يكونوا قادرين على إحداث تغيير.
وقد يُعدّ ذلك، من زاوية ما نوعاً من التقصير، لكنه تقصير يصعب تحميل الناس مسؤوليته في ظل سيطرة الأجهزة الأمنية على تفاصيل الحياة اليومية.
الصندوق الأسود الثقافي
بهذه الفكرة يفتتح المنلا حديثه عن كتابه «هبوط اضطراري» إصدار دار نون للطباعة والنشر والتوزيع، والذي كتب على غلافه، و يقدّم فيه ما يشبه «قراءة بيضاء في الصندوق الأسود»، فالكتاب يسرد واقع الثقافة السورية قبل عام 2011 من خلال مقالات كتبها بين 2006 و2011، محللاً أزمات البيروقراطية والمحسوبيات وتراجع الكفاءة داخل المؤسسات الثقافية.
ويخلص الكتاب إلى أن الأزمة الثقافية لم تكن منفصلة عن السياق السياسي والاجتماعي، بل كانت انعكاساً مباشراً له، لذلك اعتمد الكاتب أسلوباً ساخراً ورمزياً لكشف أوجه الخلل، والدعوة إلى الإصلاح، موضحاً أن تراجع الإبداع كان نتيجة طبيعية لغياب المعايير المهنية وسيطرة المصالح الشخصية.
ويُعد الكتاب وثيقة نقدية تؤرخ لتلك المرحلة، خصوصاً أنه صدر مطلع عام 2011 قبل اندلاع الثورة السورية، ما منحه قيمة استثنائية بوصفه قراءة استباقية للواقع، وقد امتاز أسلوب المنلا بمزج الخبرة الأكاديمية بالكتابة الأدبية، ما أضفى على نصوصه عمقاً تحليلياً واضحاً.
ويقول المنلا إن لحظة «التوريث» دفعت السوريين إلى إدراك عجزهم عن المواجهة، فمالوا إلى ما يمكن تسميته «الخلاص الفردي»، فحين يكون رأس السلطة فاقداً للشرعية القانونية، يصبح الأمل في التغيير ضعيفاً، ويتحول التكيف مع الواقع إلى خيار شبه مفروض.
ومن هنا يتحدث عن «تقنية تدبير الرأس»، حيث بات الفساد أكثر رسوخاً واتساعاً، لأن منطق الحصول على الفرص غير القانونية أصبح امتداداً لبنية السلطة نفسها. وللأسف حسب المنلا، فإن “كثيراً من المثقفين، بدلاً من مقاومة هذا الواقع، انخرطوا فيه وتبنّوا آلياته”.
وفي رؤيته، فإن الثقافة ليست هامشاً على السياسة هي محركها الأساسي، وعندما تُبنى الحياة الثقافية على أسس مختلة، ينعكس ذلك على كل مستويات المجتمع، ومن هنا جاءت فكرة «الهبوط الاضطراري» بوصفها استعارة عن حالة فساد ممتدة داخل الإدارة الثقافية والنتاج الإبداعي معاً.
ويضيف المنلا أن ما حدث بعد التوريث كان نوعاً من الإهانة الكبرى، تجلّى في صمت عام، كان مفهوماً في سياقه لكنه لم يكن بلا أثر، ومع اندلاع الربيع العربي، تهيأت الشروط لولادة الثورة السورية، بوصفها رد فعل على تراكم طويل من الإحباط.
النقد كفعل إبداعي
وعن استعارة «الهبوط الاضطراري»، يوضح المنلا أن تكوينه الأكاديمي المسرحي قائم على رؤية نقدية تعتبر الإبداع فعلاً تفكيكياً يعيد مساءلة المسلمات، لذلك كان النقد، حتى في صيغته المواربة، هو الوسيلة الوحيدة الممكنة في تلك المرحلة، ضمن حدود الخطوط الحمراء المفروضة.
ويضيف أنه اليوم ينظر إلى الكتاب بسعادة لأنه صدر قبل اندلاع الثورة مباشرة، لكنه لم يُتح له الانتشار بسبب التحولات السريعة التي لحقت تلك الفترة.
ويعترف بأنه كان يمارس «شغباً ثقافياً» عبر زوايا نقدية متكررة، ملامساً مناطق حساسة، لكنه ظل يتحرك داخل إطار النقد الثقافي لتفادي الاصطدام المباشر.
ورغم الرضا عن أثر الكتاب، إلا أن المنلا لا يخفي حزنه لأن كثيراً من التحذيرات لم تُسمع، إضافة إلى غضبه من منظومة الإدارة الثقافية آنذاك، مع التأكيد أن الناس لم تكن طرفاً في ذلك، وكانت واقعة تحت ضغط العجز والخوف.
ونختار من الكتاب مقالة بعنوان «حدّث ولا حرج» والتي كتب المنلا فيها: ” فهم البعض، الأمثال العربية بشكل بعيد كل البعد عن حقيقتها، وأحياناً يتم توظيف تلك الأمثال حسب المصلحة الشخصية، على الرغم من صعوبة إيجاد معنيين للمثل، إلا من خلال تخريجات خاصة فيها بعض التحريف النابع من مصلحة معينة لمحرف المثل.
بعض أصحاب النزعة السلطوية فهموا المثل الشعبي “حدث ولا حرج” بطريقة لا علاقة لها بالأصل فاعتقدوا أن “حرج” هذا هـو اسم رجـل وأن كلمة “ولا” التي تعني في الأصل “بدون”، هي ذاتهـا الكلمة التي تحمل معنى الإهانة تماماً كأن تقول في العامية: “تعا ولاه.. روح من وشي ولاه.. الخ”، مما أدى إلى إفساد المعنى وإفساد اللغة وإفساد المثل الشعبي معاً، والإساءة إلى الأخ “حرج” فيما لو كان بالفعل رجلاً أو شخصاً”.
ويذكر أن الفنان والأكاديمي عبد القادر المنلا يجمع بين ضفّتين متداخلتين من الإبداع والمعرفة، إذ حصل على إجازة في الأدب العربي من جامعة دمشق، ثم تخرج في المعهد العالي للفنون المسرحية، قبل أن يواصل دراسته في أكاديمية الفنون بالقاهرة، حيث نال الماجستير والدكتوراة في الإخراج وفلسفة المسرح.
ولم يقتصر حضوره على الدراسة، ومارس العمل الفني ممثلاً ومخرجاً ومؤلفاً مسرحياً، إلى جانب التدريس الجامعي والبحث النقدي، كما تولّى رئاسة رئاسة قسم الرقص التعبيري في المعهد العالي للفنون المسرحية، مقدّماً نموذجاً لمثقف يدمج النظرية بالممارسة، والمعرفة بالفعل، في رؤية إبداعية متكاملة.
صدر للمنلا مسرحية من خمسة فصول بعنوان «الورثة » و«تأشيرة خروج» وهي مجموعة من القصص الموجّهة لليافعين، في امتداد لتجربته الإبداعية التي تجمع بين الكتابة المسرحية والسرد الأدبي والنقد الثقافي