مداد

نهايات القرن الـ20 تعيد الاعتبار لدولة هوبس التنينية
نهاية الأيديولوجيات وبداية الهمجيات كشفت كم كان المفكر الإنجليزي محقاً

إبراهيم العريس
14 يوليو 2026
نهايات القرن الـ20 تعيد الاعتبار لدولة هوبس التنينية
نهاية الأيديولوجيات وبداية الهمجيات كشفت كم كان المفكر الإنجليزي محقاً

ربما كان في الأمر شيء من نفور أحسه الفيلسوف الهولندي، المارق بحسب توصيف أبناء ملته اليهود له في زمنه، باروخ سبينوزا تجاه توماس هوبس الذي اعتبر حينها المنظر الأكبر للدولة، وأحياناً في التاريخ الإنساني المعاصر، وربما كانت السبب بالأحرى الصراعات الإنجليزية على قمة السلطة، التي جعلت كل فكرة تحتسب لمصلحة طائفة من الطوائف بصرف النظر عن مدلولاتها الحقيقية.

بل ربما أيضاً كان في خلفية ذلك، شخصية هوبس المكتئبة والغاضبة على الدوام إلى حد وصفه للإنسان بكونه ذئباً تجاه أخيه الإنسان. وربما كل تلك الأمور مجتمعة وغيرها أضفت تلك السمعة السيئة على فكر هوبس وصولاً حتى إلى السينما الروسية في القرن الـ21، التي سمى أحد كبار مبدعيها، زيغيفنييف، واحداً من أفلامه الأخيرة "ليفياتان" (التنين)، تقريباً، تيمناً بعنوان كتاب هوبس الرئيس، الذي يفترض أن موضوعه الأساس ليس سوى توصيف الدولة الطاغية القاسية التي لا بد منها في مطلق الأحوال.

لكننا نميل هنا إلى استعمال تعبير "يفترض"، لأننا ومنذ نهايات القرن الـ20 في الأقل، كففنا عن النظر إلى مؤلف هوبس الرئيس بتلك النظرة السلبية ذاتهاـ وليس ذلك لأن ثمة من بين المفكرين المحدثين من أعاد شرحه موضحاً أفكاراً كانت مغلقة علينا، وها هي الشمس تطل عليها، بل أكثر وأهم من ذلك، لأن الواقع التاريخي نفسه، بالأحداث التي شهدها والتقلبات الفكرية والأخلاقية التي واكبتها، جعلتنا نقرأ "ليفياتان" قراءة جديدة، من دون أن يكون صاحب الكتاب نفسه بيننا أو مهتماً بذلك، فالرجل رحل عن عالمنا قبل نحو 350 سنة غير آبه بنا أو بنظرتنا إلى كتابه، رحل وهو يدمدم حتى على فراش موته "أجل إنما الإنسان ذئب في حق أخيه الإنسان، والجلاد والضحية يبقيان في حاجة إلى الدولة التي فقط بقسوتها يمكنها أن تسوي الأمور بينهما"، ونعرف أن هذه الجزئية الأخيرة من مقولة هوبس هي التي تنسى دائماً.

صراع الزمن الجديد أو نسيت حتى أطلت العصور الحديثة تذكرنا بها، وتحديداً من خلال "الصراع" الذي ساد مع سقوط الأيديولوجيات الكبرى، بين نظرة ترى "أن التاريخ قد انتهى وانتصرت الليبرالية فلم نعد في حاجة إلى الدولة"، (الأميركي - الياباني فرانسيس فوكوياما)، ونظرة أخرى ترى "أن التاريخ إنما يبدأ لتوه وقد انتقل الصراع الأقصى والأشرس إلى نوع من صراع همجي متجدد بين الأيديولوجيات" (صامويل هنتنغتون).

وهكذا، وانطلاقاً من نظرة متجددة إلى أكثر من مفهوم يتعلق بالدولة ودورها وأدواتها، كان من المنطقي أن يفيق الباحثون ومنظرو الأيديولوجيات الدولتية، ويتذكروا أول ما يتذكرونه توماس هوبس وتنينه. وقد يكون من الإنصاف أن نذكر هنا أن الفيلم الروسي، آنف الذكر، لعب دوراً كبيراً في ذلك، ولكن كان ثمة الدور الذي يمكن أن تكون لعبته استعادة ذكر سبينوزا الذي كان منسياً إلى حدّ كبير قبل ذلك. ومن ثم بات هوبس ونظرته إلى الدولة، في واجهة الأحداث، من الطبيعي لكتابه أن يقرأ من جديد على نطاق واسع، ويترجم إلى لغات لم يكن قد ترجم إليها بعد، إلى جانب إعادة ترجمته على ضوء الوقائع السياسية وحتى الجيوستراتيجية الجديدة إلى لغات كانت تعرفه في ترجمات قديمة.

وربما من المفيد أن نذكر هنا أن ست طبعات جيب شعبية يتم تداولها اليوم في اللغة الفرنسية بترجمات عدة أحدثها صدرت قبل أسابيع مع مقدمة غنية بصورة لا تصدق.

ونحن لئن كنا قد تحدثنا سابقاً عن هذا الكتاب إبان عرض الفيلم الروسي الذي استعار عنوانه، فإننا نعود إليه هنا لمناسبة ربطه الأكثر جدة وفعالية بالدولة، الدولة ذاتها التي هي الخصم الأكبر والأشرس في وجه عصابات المشاكسين والمرتزقة والمتطرفين في العدد الأكبر من البلدان العربية التي طاولتها عاصفة ما سمي "الربيع العربي" الذي لم يكن في نهاية الأمر سوى إمعان في نسف الدول العربية التي قامت بعدما سمي "الاستقلالات"، وغالباً على إثر انقلابات عسكرية، لكن هذا ليس موضوعنا، هنا في الأقل، ما يهمنا هنا إنما هو العودة إلى توماس هوبس وتنينه.

إنصاف ولو متأخر لعلّ أول ما يتوجب قوله في هذا السياق، هو أن صورة هوبس قد خضعت بالفعل في مرحلة معينة نجدها قريبة منا جداً، إلى نوع من إعادة التقييم المنصف. فكما أشرنا قبل سطور، نعرف أن الصورة التقليدية لهوبس التي سادت طويلاً، لا سيما منذ القرن الـ18 كانت ترى فيه منظراً للاستبداد المطلق والمدافع الشرس عن السلطة القمعية التي "تبتلع المجتمع والأفراد"، بحسب ما يرصد هوبس في "ليفياتان".

غير أن القرن الـ20، وبخاصة بعد المحن الكبرى التي عاشتها من جراء الحروب الأهلية والحربين العالميتين وصعود الأنظمة والأفكار الشمولية وانهيار الدول والنظم بل حتى الإمبراطوريات، دفع عدداً من الفلاسفة والمؤرخين إلى إعادة النظر في هوبس وفكره. وذلك إذ بدا لهم، بحسب تحليلاتهم، أن هوبس لم يكن في الحقيقة يحتفي بالاستبداد بقدر ما كان يخشى الفوضى. كانت تجربته التاريخية المباشرة هي الحرب الأهلية الإنجليزية، أي ذلك الوضع الذي وصفه هو نفسه بأنه "حرب الجميع ضد الجميع"، إذ يصبح "الإنسان ذئباً للإنسان".

ومن هنا فإن الدولة الهوبزية لا تعود غاية في ذاتها، بل أداة لضمان السلم الأهلي والأمن ووقف العنف المتبادل. ومن هذا المنظور بالتحديد، بدا عدد لا بأس به من المفكرين يرون أن دولة هوبس هي الأقرب لأن تكون تحقيقاً لفكرة الدولة التي عرفها الفكر العقلاني والتراث الفلسفي منذ أفلاطون وليست نقيضاً لها. فأفلاطون نفسه كان يضحي بجزء كبير من الحرية الفردية لمصلحة الانسجام الكلي داخل المدينة إذ كانت المدينة الفاضلة عنده تقوم على سلطة النخبة العارفة التي تحدد الخير العام للمجتمع. مدن فاضلة كذلك الأمر بدا، في نظر المفكرين أنفسهم، متجلياً في عدد من المدن الفاضلة، أي اليوتوبيات من تلك التي صورها توماس مور إلى جمهورية جان جاك روسو القائمة على الإرادة العامة التي قد تلزم الفرد بما لا يرغب فيه باسم المصلحة المشتركة، مروراً طبعاً بمدينة الفارابي ومدينة توماس كامبانيلا وعشرات النصوص المشابهة الأخرى. بل إن ثمة من بين أولئك المفكرين من ذهب إلى أبعد من ذلك إذ رأى أن هوبس لا يمكنه بأية حال أن يكون فيلسوف الدولة الاستبدادية بل هو فيلسوف الدولة الحديثة نفسها. فهو أول من بنى السلطة السياسية، نظرياً في الأقل، على عقد بين أفراد متساوين بطبيعتهم، وليس على أي حق إلهي أو على أي امتيازات أرستقراطية أو سلطات كنسية. السيادة عنده مطلقة بالفعل، لكنها تنبع من تفويض الأفراد أنفسهم، لا من أي مصدر متعالٍ خارج المجتمع. ومع ذلك تبقى هناك، في نظر الفلسفة، فروق مهمة بين هوبس وتقاليد المدينة الفاضلة الكلاسيكية.

فأفلاطون وتوماس مور والتنويريون كانوا يتحدثون عن الفضيلة أو السعادة أو تحقيق الإنسان الكامل، بينما يضع لدولته هوبس هدفاً أكثر تواضعاً وأكثر واقعية: الأمن ومنع العودة إلى الحرب الأهلية. الدولة عنده لا تجعل البشر أفضل من الناحية الأخلاقية، لكنها تجعلهم أقل خطراً على بعضهم البعض.

من هنا ربما يكون من الأدق القول، كما يفعل عدد من المفكرين في مجال إعادة الاعتبار لهوبس، إن إعادة الاعتبار هذه تمت خصوصاً منذ النصف الثاني من القرن الـ20، فقط حين راح يقرأ بوصفه فيلسوف النظام المدني، والدولة الضامنة للسلم الاجتماعي، لا مجرد منظر للطغيان.

في هذا المعنى وحده "يتعين اعتبار هوبس وريثاً متشائماً لفكرة المدينة الفاضلة: فهو لا يحلم بمدينة كاملة كما فعل أفلاطون والتنويريون بل بمدينة يمكن العيش فيها. ظاهرياً ثمة فارق صغير بين الحالتين، لكنه بالتأكيد فارق كبير في تاريخ الفلسفة السياسية".

شارك المقال f 𝕏 in