بغداد - سدن
في مشهد وصفه مراقبون بأنه أحد أهم التحولات في تاريخ العلاقات العراقية ـ الأمريكية منذ عام 2003، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برسائل سياسية واستراتيجية غير مسبوقة خلال استقباله رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض، معلناً انتقال العلاقة بين واشنطن وبغداد من مرحلة الحروب والقواعد العسكرية إلى مرحلة الاستثمار والطاقة والشراكات الاقتصادية، في وقت منح فيه الزيدي دعماً شخصياً وسياسياً بدا أقرب إلى إعلان ثقة أمريكي طويل الأمد بقيادته.
ولم يكن لافتاً فقط حجم الاتفاقات الاقتصادية التي جرى الحديث عنها، بل اللغة التي استخدمها ترامب، والتي حملت إشارات واضحة إلى أن واشنطن باتت ترى في الحكومة العراقية الحالية شريكاً استراتيجياً قادراً على إعادة رسم موقع العراق في الشرق الأوسط.
وقال الرئيس الأمريكي إن رئيس الوزراء العراقي يقوم بعمل رائع، مؤكداً أنه يتوقع بقاءه في رئاسة الحكومة "لفترة طويلة"، قبل أن يصفه لاحقاً بأنه "مقاتل عظيم وصديق كبير للولايات المتحدة"، بل وذهب إلى أبعد من ذلك حين قال إنه يتوقع أن يصبح "واحداً من أهم قادة الشرق الأوسط".
نهاية زمن القواعد
وفي تحول لافت، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة لم تعد ترى ضرورة لبقاء قواتها العسكرية في العراق بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي نهاية سبتمبر المقبل، مؤكداً أن العلاقة المقبلة لن تبنى على وجود الجنود، وإنما على وجود الشركات والاستثمارات.
وقال إن واشنطن تستعد للإعلان الأسبوع المقبل عن واحدة من أكبر الشراكات النفطية مع العراق، إلى جانب حزمة واسعة من الاتفاقيات التجارية والاستثمارية، مؤكداً أن شركات الطاقة الأمريكية بدأت بالفعل دخول السوق العراقية بمستويات غير مسبوقة.
وأضاف أن الولايات المتحدة ستكون مستعدة لدعم العراق إذا احتاج إلى الحماية، لكنه استدرك قائلاً إنه لا يعتقد أن بغداد ستكون بحاجة إلى ذلك، في إشارة إلى ثقته بقدرات الدولة العراقية.
رسالة مباشرة إلى طهران
وفي واحدة من أكثر تصريحاته إثارة، اعتبر ترامب أن النفوذ الإيراني كان يشكل عبئاً كبيراً على العراق، مؤكداً أن هذا العبء "سيتم التخلص منه"، ومضيفاً أن إيران مارست لسنوات دور المتنمر في المنطقة، لكن قدرتها على فرض هذا الواقع تراجعت بصورة كبيرة.
وأكد أن العراق كان من أكثر الدول التي دفعت ثمن هذا التنمر، إلا أن المرحلة الحالية تمنحه فرصة لاستعادة قراره الوطني، وهو ما شجع الشركات الأمريكية على العودة بقوة إلى الاستثمار داخل البلاد.
الزيدي: العراق يختار التنمية
من جانبه، أكد رئيس الوزراء علي الزيدي أن زيارته إلى واشنطن لا تمثل زيارة بروتوكولية، وإنما إعلاناً عن شراكة استراتيجية جديدة بين البلدين، تقوم على الاقتصاد والاستثمار والتنمية.
وقال إن العراق يدعو كبريات الشركات الأمريكية إلى الاستثمار في قطاعات البنية التحتية والطاقة والصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، مؤكداً أن البلاد تمتلك احتياطيات نفطية ضخمة وموارد طبيعية وسوقاً واعدة وقوة بشرية مؤهلة.
وشدد الزيدي على أن العراق اختار أن يكون دولة ذات سيادة تقف على مسافة واحدة من جميع الاصطفافات الإقليمية، وأن طريقه اليوم هو التنمية والاستقرار وليس الدخول في محاور الصراع.
وأكد أن الثلاثين من سبتمبر المقبل لن يكون مجرد موعد لانتهاء مهمة قوات التحالف، بل بداية مرحلة جديدة عنوانها بقاء الشركات الأمريكية وخروج القوات العسكرية، مضيفاً ان "العلاقات الاقتصادية أكثر استدامة من العلاقات العسكرية".
حصر السلاح مستمر
وفي الملف الأمني، أكد الزيدي أن الحكومة تمضي بثبات في تنفيذ مشروع حصر السلاح بيد الدولة، معلناً أن بغداد تسلمت بالفعل كميات من الأسلحة من بعض الفصائل، وأن الجهات التي اختارت العمل السياسي ستجد أبواب الدولة مفتوحة أمامها.
وأشار إلى أن وجود الفصائل المسلحة كان استجابة لظروف استثنائية، لكنه لم يعد مبرراً بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي، مؤكداً أن القوات العراقية أصبحت تمتلك القدرة الكاملة على حماية الحدود والسيادة الوطنية.
كما شدد على متانة العلاقة مع إقليم كردستان، قائلاً إن الإقليم جزء أصيل من العراق، مضيفاً “لا يمكن أن أقطع جزءاً من جسدي.