واشنطن - سدن
تتجه العلاقات العراقية - الأمريكية نحو واحدة من أكبر القفزات الاقتصادية منذ عام 2003، مع استعداد بغداد وواشنطن لإطلاق حزمة واسعة من الاتفاقيات الاستراتيجية، يتوقع أن تعيد رسم طبيعة العلاقة بين البلدين، وتنقلها من مرحلة التعاون الأمني إلى شراكة اقتصادية واستثمارية طويلة الأمد.
وكشف مصدر مطلع لـ(سدن) أن زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى الولايات المتحدة ستتوج بتوقيع أكثر من 18 اتفاقية استراتيجية تشمل قطاعات السياسة والطاقة والنفط والصناعة والاستثمار والتعليم والصحة والتكنولوجيا والتسليح، إلى جانب مشاريع بنى تحتية كبرى، في خطوة وصفها بأنها تمثل أكبر برنامج تعاون ثنائي بين بغداد وواشنطن منذ أكثر من عقدين.
وأوضح المصدر أن عدداً من الاتفاقيات أصبح جاهزاً للتوقيع بعد استكمال المباحثات الفنية والقانونية، فيما سيوقع الوزراء المرافقون لرئيس الوزراء الاتفاقيات القطاعية مع نظرائهم الأمريكيين خلال الأيام المقبلة، تمهيداً للدخول الفوري في مرحلة التنفيذ.
صندوق تنموي عملاق
وبحسب المصدر، فإن أحد أكثر المشاريع طموحاً يتمثل في إنشاء صندوق تنمية عراقي - أمريكي داخل أحد المصارف الأمريكية الكبرى، بعيداً عن الاحتياطي الفيدرالي، على أن يمول تدريجياً من عائدات صادرات النفط العراقي إلى الولايات المتحدة، والتي قد تصل إلى نحو 500 ألف برميل يومياً.
ووفق التصورات الأولية، فإن حجم أصول الصندوق قد يرتفع مستقبلاً ليبلغ نحو تريليون دولار، ليصبح واحداً من أكبر الصناديق التنموية المرتبطة بالبنية التحتية والطاقة والاستثمار في المنطقة، مع توجيه موارده لتمويل مشاريع الكهرباء، والنقل، والمياه، والصناعة، والتحول الرقمي، والمدن الجديدة، والمشاريع الاستراتيجية الأخرى.
ويرى مسؤولون عراقيون أن المشروع لا يقتصر على كونه آلية مالية، بل يمثل منصة استثمارية طويلة الأمد تهدف إلى تحويل جزء من العوائد النفطية إلى أصول إنتاجية مستدامة تدعم الاقتصاد العراقي لعقود مقبلة.
من النفط إلى التنمية
ويأتي هذا التحرك بعد ساعات من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الأسبوع المقبل سيشهد الكشف عن شراكة نفطية كبرى مع العراق، إلى جانب صفقات تجارية واستثمارية واسعة، في مؤشر على أن العلاقات بين البلدين تدخل مرحلة جديدة عنوانها الاقتصاد والاستثمار بدلاً من الوجود العسكري.
وتشير المعطيات إلى أن واشنطن تنظر إلى العراق باعتباره أحد أهم الأسواق الصاعدة في الشرق الأوسط، بينما تسعى بغداد إلى استثمار هذا الزخم لجذب التكنولوجيا ورؤوس الأموال الأمريكية، وتسريع مشاريع إعادة بناء البنية التحتية وتنويع الاقتصاد.
واشنطن ترى العراق شريكاً اقتصادياً استراتيجياً
ويرى الناشط السياسي في الحزب الجمهوري الأمريكي – العراقي الأصل، جوناثان مولود، أن ما يجري بين بغداد وواشنطن يتجاوز توقيع اتفاقيات ثنائية، ويعكس تحولاً في التفكير الاستراتيجي داخل الإدارة الأمريكية.
ويقول إن الولايات المتحدة أعادت تعريف علاقتها مع العراق، بوصفه دولة تمتلك واحداً من أكبر احتياطيات الطاقة في العالم، وسوقاً قادرة على استيعاب استثمارات ضخمة لعقود مقبلة.
ويضيف أن الحديث عن صندوق تنموي بهذا الحجم، إذا جرى تنفيذه وفق الأطر المعلنة، سيشكل نموذجاً جديداً في إدارة العلاقة بين الدول المنتجة للطاقة والولايات المتحدة، لأنه ينقل جزءاً من العوائد النفطية من دائرة الإنفاق التقليدي إلى مشاريع إنتاجية واستراتيجية طويلة الأجل.
ويشير إلى أن الرسائل التي خرجت من البيت الأبيض خلال زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي تعكس وجود رغبة أمريكية واضحة في بناء شراكة مستقرة مع بغداد، قائمة على الاستثمار ونقل التكنولوجيا والطاقة، بدلاً من الاعتماد على الأدوات العسكرية التي طبعت العلاقة خلال العقدين الماضيين.
ويؤكد أن نجاح هذه الرؤية سيمنح العراق فرصة نادرة لإعادة بناء اقتصاده على أسس أكثر استدامة، ويعزز مكانته باعتباره أحد أهم شركاء الولايات المتحدة الاقتصاديين في الشرق الأوسط، إذا ما اقترنت الاتفاقيات بإصلاحات داخلية وضمانات حقيقية لتنفيذ المشاريع وحماية الاستثمار.
ويرى أن المرحلة المقبلة قد تمثل بداية تحول العراق إلى دولة ترتبط بامريكا عبر المصالح الاقتصادية والاستثمارية الكبرى، وهو تحول، إذا اكتمل، ستكون انعكاساته السياسية والاقتصادية أوسع بكثير من حدود الاتفاقيات نفسها.