واشنطن - سدن
كشف تحقيق مطول نشرته صحيفة (نيويورك تايمز) أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية نفذت، على مدى عدة سنوات، عملية سرية هدفت إلى استقطاب الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد وإعداده ليكون جزءاً من خطة أوسع لتغيير النظام في إيران، قبل أن تنتهي العملية بالفشل خلال الأيام الأولى من الحرب الأميركية - الإسرائيلية الأخيرة ضد طهران.
وبحسب التحقيق، فإن الخطة اعتمدت على بناء قنوات اتصال سرية مع أحمدي نجاد خارج إيران، عبر لقاءات جرت في دول أوروبية، أبرزها العاصمة المجرية بودابست، حيث شارك في مؤتمرات أكاديمية قيل إنها استخدمت غطاءً لترتيب اجتماعات مع مسؤولين استخباراتيين إسرائيليين.
وأشار التقرير إلى أن رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي آنذاك، ديفيد برنياع، شارك شخصياً في أحد اللقاءات التي عقدت في بودابست عام 2024، قبل أن تبلغ إسرائيل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) بأنها نجحت في فتح قناة اتصال مع الرئيس الإيراني السابق.
وأضاف التحقيق أن إسرائيل رأت في أحمدي نجاد شخصية يمكن استخدامها في مرحلة ما بعد إسقاط النظام، رغم أنه كان خلال فترة رئاسته من أبرز الداعمين للبرنامج النووي الإيراني، واشتهر بمواقفه العدائية تجاه إسرائيل وخطابه المتشدد.
ووفقاً للتقرير، قدمت جهات إسرائيلية دعماً لوجستياً للرئيس الإيراني السابق خلال السنوات الأخيرة، شمل ترتيبات سفر وإقامة، كما عُقدت معه لقاءات متعددة خارج إيران في إطار ما وصفه التحقيق بعملية طويلة الأمد لبناء الثقة.
عملية سرية داخل طهران
وأوضح التحقيق أن الخطة بلغت ذروتها أواخر فبراير الماضي، مع اندلاع الحرب، عندما استهدفت غارة إسرائيلية المجمع السكني الذي يقيم فيه أحمدي نجاد في طهران، حيث أصابت مبنى الحراسة والمركبة المصفحة الخاصة به.
وبحسب مصادر أميركية وإيرانية نقلت عنها الصحيفة، وصلت بعد الغارة سيارة مدنية نقلت أحمدي نجاد إلى منزل آمن داخل إيران، قالت المصادر إنه كان يدار من قبل عناصر تابعين للموساد، تمهيداً لإطلاق المرحلة التالية من خطة تغيير النظام.
إلا أن أحمدي نجاد، بحسب التحقيق، أبدى تردداً واعتراضاً على سير العملية، وأصبح أقل اقتناعاً بإمكانية العودة إلى السلطة عبر هذا المسار، قبل أن يغادر المنزل الآمن في ظروف لم تتضح تفاصيلها.
وأضاف التقرير أن أحمدي نجاد اختفى عن الأنظار لفترة، قبل أن يظهر لفترة وجيزة خلال مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، فيما نقل عن مسؤولين إيرانيين أن الرئيس السابق يخضع حالياً لإقامة جبرية بإشراف جهاز استخبارات الحرس الثوري، بعد انكشاف جانب من اتصالاته الخارجية.
خطة أوسع لإسقاط النظام
وأكد التحقيق أن مشروع أحمدي نجاد لم يكن سوى أحد محاور خطة إسرائيلية أوسع هدفت إلى إسقاط النظام الإيراني، وتضمنت أيضاً دعم وتسليح وتدريب مجموعات كردية معارضة انطلاقاً من شمال العراق، تمهيداً لدخولها غرب إيران والسيطرة على مناطق هناك، إلا أن هذا المسار لم ينفذ عملياً.
وأشار إلى أن مسؤولين إسرائيليين سبق أن ألمحوا إلى وجود سلسلة عمليات خاصة كانت معدة لتنفيذها خلال الحرب، دون الكشف عن تفاصيلها، فيما رفض الموساد التعليق على ما ورد في التحقيق.
تحول في مواقف أحمدي نجاد
وسلط التقرير الضوء على التحولات التي طرأت على خطاب أحمدي نجاد بعد خروجه من السلطة عام 2013، موضحاً أنه خفف تدريجياً من لهجته تجاه إسرائيل، وبدأ بتوجيه انتقادات علنية للمؤسسات الأمنية والسياسية الإيرانية، كما ركز على ملفات الفساد والحريات، في وقت سعى فيه إلى إعادة تقديم نفسه بصورة أكثر اعتدالاً.
وأضاف أن أحمدي نجاد احتفظ بقاعدة شعبية داخل بعض الأوساط الإيرانية، وكان يطمح للعودة إلى السلطة، إلا أن استبعاده المتكرر من الانتخابات الرئاسية دفعه، وفق مصادر مقربة منه، إلى الاعتقاد بأن وصوله مجدداً إلى الحكم لن يكون ممكناً في ظل النظام الحالي.
وبحسب التحقيق، فإن مقربين منه قالوا إنه كان يرى نفسه قادراً، في حال وصوله إلى السلطة، على إعادة صياغة علاقات إيران الخارجية، بما في ذلك الاعتراف بإسرائيل والانضمام إلى مسار التطبيع الإقليمي ضمن ما يعرف بـ(اتفاقيات أبراهام).
شكوك داخل طهران
وأشار التحقيق إلى أن تحركات أحمدي نجاد أثارت شكوك أجهزة الأمن الإيرانية منذ سنوات، خاصة بعد توجيهه رسائل علنية إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وما رافق ذلك من تغيرات في خطابه السياسي.
وبحسب الصحيفة، فإن أجهزة الاستخبارات الإيرانية بدأت بعد الحرب بإعادة فحص نشاطات أحمدي نجاد واتصالاته الخارجية، في محاولة لكشف حجم العلاقة التي ربطته بالجانب الإسرائيلي، وسط استمرار الغموض بشأن مستقبله السياسي ووضعه الأمني داخل إيران.
ويرى المحلل الأمني في (سدن)، ان تقرير الـ(نيويورك تايمز)، سواء كان صحيحاً بالكامل أو احتوى على مبالغات، فإن مجرد نشره يحمل قيمة استخباراتية بحد ذاته، فالأجهزة الاستخباراتية لا تبني رهاناتها على شخص واحد، بل تعمل وفق مبدأ تعدد المصادر وتعدد البدائل، فإذا كانت هناك بالفعل محاولة للتواصل مع شخصية بحجم محمود أحمدي نجاد، فمن غير المنطقي افتراض أنها كانت القناة الوحيدة أو الخيار الوحيد.
ويقول ان هذا التقرير يدل على تحولاً في طبيعة المواجهة، ففي السابق كانت الحرب تركز على المنشآت النووية والقادة العسكريين، أما اليوم، فإن مركز الثقل أصبح القيادة السياسية نفسها، وشبكات اتخاذ القرار، والعلاقات الشخصية، والانقسامات داخل مؤسسات الدولة.
وبحسب القراءة الأمنية، فإن أول ما ستفعله طهران إذا أخذت مثل هذه المزاعم على محمل الجد هو: إعادة فحص ملفات كبار المسؤولين الحاليين والسابقين، وتوسيع تحقيقات الأمن الداخلي حول السفر والاتصالات والعلاقات الخارجية، وفرض قيود أشد على تحركات الشخصيات السياسية والعسكرية، وتعزيز إجراءات مكافحة التجسس داخل المؤسسات الحساسة.
ويختم المحلل الامني بالقول: "في العمل الاستخباراتي لا تقاس قوة الجهاز بعدد العملاء الذين يملكهم، بل بقدرته على زرع الشك داخل المؤسسة المستهدفة، فإذا بدأ المسؤولون يشك بعضهم ببعض، ويخشون التواصل أو اتخاذ القرار، فإن الجهاز المهاجم يكون قد حقق جزءاً مهماً من هدفه، حتى من دون تنفيذ انقلاب أو تغيير للنظام".
ولم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من الحكومة الإسرائيلية أو الإيرانية يؤكد أو ينفي ما ورد في التحقيق، كما امتنع المتحدث باسم أحمدي نجاد عن التعليق على الاتهامات التي تضمنها التقرير.