دمشق - سدن
حسمت وزارة الداخلية السورية الجدل بشأن الجهة المسؤولة عن التفجيرات الأخيرة التي ضربت العاصمة دمشق، معلنة أن التحقيقات الأمنية والفنية أثبتت انتماء أفراد الخلية المنفذة إلى تنظيم (داعش)، بعد سلسلة من الاعترافات والإجراءات الاستخبارية التي قادت إلى تفكيك الشبكة بالكامل.
وقالت الوزارة إن التحقيقات مع الموقوفين ضياء شاكر القاسم، وعبد الله يونس الجبوري، ومحمد أسعد محمد، إلى جانب تحليل تسجيلات كاميرات المراقبة والأدلة الجنائية، أكدت مسؤوليتهم المباشرة عن التفجيرين اللذين وقعا في السابع من تموز الجاري، إضافة إلى ارتباطهم بعمليات إرهابية سابقة استهدفت مؤسسات حكومية في العاصمة.
وأكدت أن اعترافات أفراد الخلية أظهرت أن الهدف من العمليات لم يكن مجرد إحداث خسائر بشرية، وإنما ضرب مؤسسات الدولة، وإثارة الفوضى، وتقويض حالة الاستقرار الأمني التي تشهدها البلاد، مشددة على أن التحقيقات مستمرة لتعقب جميع المتعاونين والداعمين تمهيداً لإحالتهم إلى القضاء.
وأوضحت الوزارة أن الخلية نفسها أقرت أيضاً بمسؤوليتها عن التفجير الذي استهدف مبنى إدارة التسليح في أيار الماضي، والذي أدى إلى استشهاد أحد الجنود وإصابة عدد من العسكريين، في واحدة من أخطر العمليات التي استهدفت منشآت عسكرية خلال الأشهر الأخيرة.
وكانت الأجهزة الأمنية، بالتنسيق بين قوى الأمن الداخلي وجهاز الاستخبارات العامة، قد نفذت عملية متزامنة شملت عدداً من المواقع في دمشق وريفها، بينها القطيفة والسيدة زينب وضاحية قدسيا وعش الورور، وانتهت بإلقاء القبض على جميع أفراد الخلية.
وكان وزير الداخلية السوري أنس خطاب أعلن عقب العملية أن الخلية المسؤولة عن تفجيرات دمشق أصبحت في قبضة العدالة، متعهداً بالكشف عن هوية أفرادها وكامل ارتباطاتهم بعد استكمال التحقيقات.
وأسفرت التفجيرات عن مقتل شخص وإصابة ما لا يقل عن 36 آخرين، معظمهم من عناصر قوى الأمن الداخلي، بينهم أربعة من عناصر الشرطة المدنية.
رسالة سياسية قبل أن تكون أمنية
ويرى الكاتب والصحفي السوري عدنان علي أن السرعة التي تمكنت بها الأجهزة الأمنية من تفكيك الخلية تمثل ضربة موجعة لتنظيم داعش ولكل الجهات التي سعت إلى استثمار التفجيرات سياسياً، ولا سيما أنها جاءت بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق.
وأوضح علي أن الهدف الأساسي من التفجيرات لم يكن تحقيق مكاسب عسكرية، بل توجيه رسالة إعلامية وسياسية توحي بأن العاصمة السورية ما تزال غير مستقرة، وأن الانفتاح الدولي على دمشق يمكن تعطيله عبر عمليات إرهابية محدودة.
وأضاف أن إلقاء القبض على المنفذين خلال فترة وجيزة أفشل هذا الهدف بالكامل، ووجّه رسالة معاكسة مفادها أن المؤسسات الأمنية السورية استعادت قدرتها على ملاحقة الخلايا الإرهابية بسرعة وكفاءة.
وأشار إلى أن العملية بعثت أيضاً برسالة طمأنة للمستثمرين والدول الراغبة في الانفتاح على سوريا، مفادها أن الدولة تمتلك القدرة على احتواء التهديدات الأمنية ومنعها من التأثير في مسار إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات.
ولفت إلى أن إصرار الرئيس الفرنسي على مواصلة زيارته وفق برنامجها المقرر، رغم وقوع التفجيرات، عكس إدراكاً دولياً بأن هذه العمليات تستهدف تقويض الاستقرار السياسي أكثر من كونها تمثل تحولاً في الواقع الأمني.
محاولة لضرب صورة الاستقرار
من جانبه، اعتبر الباحث في مركز عمران للدراسات نوار شعبان أن توقيت التفجيرات يحمل دلالات سياسية واضحة، إذ استهدفت مواقع حساسة بالتزامن مع زيارة رفيعة المستوى، في محاولة لإظهار أن العاصمة السورية لا تزال قابلة للاختراق، وأن مسار عودة سوريا إلى محيطها الإقليمي والدولي يمكن التشويش عليه.
وأضاف أن ما حدث تحول إلى نتيجة معاكسة لما أراده منفذو الهجوم، بعدما أكدت باريس استمرار الزيارة وعدم تغيير برنامجها، وهو ما عكس استمرار الانفتاح الدولي على دمشق رغم محاولات زعزعة الاستقرار.
ملاحقة متواصلة لخلايا التنظيم
وتأتي هذه العملية ضمن حملة أمنية واسعة تنفذها السلطات السورية ضد تنظيم داعش، بعدما أعلنت وزارة الداخلية الشهر الماضي اعتقال 335 عنصراً من التنظيم خلال ثلاثة أشهر، في عمليات مشتركة بين جهاز الاستخبارات العامة وإدارة مكافحة الإرهاب.
وبحسب الوزارة، شملت الاعتقالات عناصر في دمشق وحلب وحمص وحماة ودير الزور، بينهم سوريون وأجانب، مع ضبط كميات من الأسلحة والعبوات الناسفة والمواد المتفجرة.
ويرى مراقبون أن هذه الأرقام تعكس تحولاً واضحاً في أداء الأجهزة الأمنية السورية، التي انتقلت من مواجهة التنظيم في مناطق نفوذه التقليدية إلى استراتيجية تعتمد على العمل الاستخباري، وتعقب الخلايا النائمة، وتبادل المعلومات بين مختلف المحافظات، الأمر الذي أدى إلى تضييق مساحة تحرك التنظيم وإضعاف قدرته على تنفيذ عمليات واسعة النطاق.
وفي السياق نفسه، كان الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة عرابي عرابي قد أكد في تصريحات سابقة أن تنظيم داعش يعيش مرحلة تراجع وتفكك داخل سوريا، بعد سلسلة من الضربات الأمنية التي استهدفت خلاياه منذ سقوط النظام السابق، مشيراً إلى أن هذا التراجع لا يعني انتهاء خطر التنظيم بالكامل، لكنه يعكس تراجعاً ملحوظاً في قدرته على التخطيط والتنفيذ مقارنة بالسنوات الماضية.