دمشق - سدن
تواصلت في العاصمة السورية دمشق محاكمة مفتي سوريا السابق أحمد بدر الدين حسون، في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل المرتبطة برموز النظام السابق، وسط اتهامات تتعلق بالتحريض على العنف، وتبرير القتل، واستغلال المنصب الديني لتوفير غطاء سياسي وشرعي للعمليات العسكرية والانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال سنوات الحرب.
وعقدت محكمة الجنايات الرابعة جلستها الثانية برئاسة القاضي فخر الدين العريان، وبحضور ممثلين عن منظمات حقوقية سورية ودولية، حيث خصصت الجلسة للاستماع إلى شهود الحق العام ضمن مسار التحقيقات القضائية.
وخلال الجلسة، أدلى شاهد، حجبت هويته ورمز له بالرقم (02)، بإفادات اتهم فيها حسون بتمويل (لواء القدس)، وهو أحد التشكيلات المسلحة التي قاتلت إلى جانب قوات النظام السابق، عبر نجله عبد الرحمن حسون، مبيناً أن المبالغ الشهرية التي كانت تصل إلى اللواء تراوحت بين 15 ألفاً و30 ألف دولار.
وقال الشاهد، الذي أوضح أنه عمل سابقاً في دائرة التفتيش الديني بوزارة الأوقاف، إن الأموال كانت تجمع من ذوي المعتقلين مقابل وعود أو وساطات للإفراج عن أبنائهم، مضيفاً أن عملية تسليم الأموال كانت تتم عبر الليرات الذهبية من خلال نجل المفتي السابق.
كما اتهم الشاهد حسون بالتسبب في اعتقاله عام 2018، مؤكداً أن الأخير استغل نفوذه للإبلاغ عنه بسبب تخلفه عن أداء الخدمة الإلزامية، وهو ما أدى إلى احتجازه لمدة 88 يوماً.
من جانبه، نفى أحمد حسون جميع هذه الاتهامات، ورفض أقوال الشاهد، مؤكداً أنه لا يعرفه ولا تربطه به أي علاقة.
وفي شهادة أخرى، قال محمد العلي، وهو أحد طلاب حسون السابقين، إنه تعرض للاعتقال في ثمانينيات القرن الماضي بعد عودته إلى الحسكة، مدعياً أن اسمه سلم إلى أجهزة المخابرات من قبل المفتي السابق، وفق ما أبلغه أحد المحققين آنذاك.
كما تحدث الشاهد عن الدور الذي لعبته خطابات وفتاوى حسون خلال الاحتجاجات التي شهدتها سوريا عام 2011، معتبراً أنها أسهمت في تأجيج المواجهة، بعدما دعا، خلال زيارة إلى مدينة الصنمين في ريف درعا، إلى رفض الاحتجاجات وعدم (الخروج على الحاكم)، عقب سقوط قتلى من المتظاهرين.
وكانت المحكمة قد استعرضت في جلستها الأولى لائحة الاتهام التي تضمنت سلسلة واسعة من التهم، من بينها استغلال المنصب الرسمي لتحقيق مصالح شخصية، وإقامة علاقات مباشرة مع الرئيس المخلوع بشار الأسد، ورئيس مكتب الأمن الوطني السابق علي مملوك، وعدد من كبار القادة العسكريين والأمنيين، إضافة إلى شخصيات وميليشيات شاركت في العمليات العسكرية إلى جانب قوات النظام.
كما تتهم النيابة العامة حسون بإلقاء محاضرات وخطب أمام ضباط وجنود الجيش السابق تضمنت، بحسب لائحة الاتهام، دعماً للعمليات العسكرية ضد معارضي النظام، إلى جانب تصريحات إعلامية اعتبرت محرضة على استهداف المدنيين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، والدعوة إلى تدمير مدن سورية، فضلاً عن تأييده العلني لقيادات عسكرية وأمنية متهمة بارتكاب جرائم حرب، بينهم عصام زهر الدين، والقيادي في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، إضافة إلى دعمه التدخلين الروسي والإيراني في سوريا.
وتمثل محاكمة أحمد حسون واحدة من أبرز المحطات القضائية في مسار العدالة الانتقالية في سوريا، ليس بسبب موقعه الديني السابق فحسب، بل لأن القضية تطرح للمرة الأولى أمام القضاء تساؤلات حول مسؤولية الخطاب الديني في تغذية الصراع ومنح الشرعية السياسية والأخلاقية للعنف.
ولا تقتصر أهمية المحاكمة على مساءلة شخص شغل منصب مفتي الجمهورية، بل تمتد إلى اختبار قدرة القضاء السوري على التعامل مع ملفات ترتبط بشخصيات كانت تمثل واجهة دينية وسياسية للنظام السابق، في مرحلة تسعى فيها الدولة إلى ترسيخ مبدأ عدم الإفلات من المساءلة وفق الإجراءات القضائية.