واشنطن - سدن
لم تعد زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى الولايات المتحدة مجرد محطة دبلوماسية اعتيادية، بل تحولت إلى ما يشبه ماراثوناً سياسياً داخل مراكز صناعة القرار الأمريكي، في مشهد يعكس تغيراً واضحاً في طريقة تعامل واشنطن مع العراق، وانتقال العلاقة من الملفات الأمنية التقليدية إلى شراكة سياسية واقتصادية واستراتيجية أوسع.
فخلال أقل من أربع وعشرين ساعة، عقد الزيدي سلسلة لقاءات غير مسبوقة مع أبرز أركان المؤسسة السياسية والتشريعية والاقتصادية الأمريكية، في رسالة قرأها مراقبون بأنها تؤشر مستوى الاهتمام الذي يحظى به العراق الجديد داخل واشنطن، ورغبة أمريكية في الاستثمار في استقراره السياسي والاقتصادي.
فقد شملت اللقاءات رئيس مجلس النواب الأمريكي مايك جونسون، ورئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ السيناتور روجر ويكر، ورئيس لجنة العلاقات الخارجية السيناتور جيم ريتش، ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب براين ماست، إلى جانب أعضاء بارزين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، فضلاً عن السيناتورين تيم شيهي وتيد بد، وكلاهما من أعضاء لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ.
كما التقى رئيس الوزراء عدداً من السفراء الأمريكيين السابقين لدى العراق، في جلسة وصفت بأنها فرصة للاستفادة من خبراتهم في رسم مستقبل العلاقات الثنائية، إلى جانب اجتماع مهم مع المدير التنفيذي لمؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية (DFC) بن بلاك، الذي أعلن استعداد المؤسسة للدخول بقوة إلى السوق العراقية وتمويل مشاريع استراتيجية في قطاعات الطاقة والنقل والزراعة والاقتصاد الرقمي والخدمات.
وفي الجانب الاقتصادي، حمل لقاء الزيدي مع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت دلالات خاصة، بعدما أكد الوزير الأمريكي دعم واشنطن الكامل لبرنامج الإصلاح الاقتصادي العراقي، والانتقال بالعلاقة الثنائية من الإطار العسكري إلى الاستثمار والتنمية والشراكة الاقتصادية، مع استعداد أمريكي لتقديم الدعم الفني والمالي ووضع جدول زمني لمساندة الإصلاحات التي تنفذها الحكومة العراقية.
وخلال لقاءاته في الكونغرس، عرض رئيس الوزراء رؤية حكومته للإصلاح، مؤكداً المضي في مكافحة الفساد، وحصر السلاح بيد الدولة، وإصلاح القطاعين المالي والمصرفي، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار، بما يفتح الباب أمام توسع الشركات الأمريكية في العراق، وهو ما قوبل بإشادة من أعضاء الكونغرس الذين أكدوا دعمهم لتعزيز الشراكة الاقتصادية والسياسية مع بغداد، واعتبار العراق ركناً أساسياً في استقرار الشرق الأوسط.
كما استقبل الزيدي وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، بحضور المبعوث الأمريكي الى العراق وسوريا توم باراك، وقد نقل الصفدي دعوة رسمية من العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لزيارة المملكة، فيما بحث الجانبان تسريع تنفيذ مشروع أنبوب نفط البصرة – العقبة، والربط الكهربائي، وتوسيع التعاون الاقتصادي، في مؤشر على تنامي الحراك الإقليمي المواكب للتحولات التي يشهدها العراق.
واشنطن تراهن على بغداد
ويرى الناشط السياسي في الحزب الجمهوري الأمريكي من أصل عراقي الدكتور جوناثان مولود، أن كثافة اللقاءات التي أجراها رئيس الوزراء داخل الكونغرس والإدارة الأمريكية تحمل رسائل سياسية واضحة.
وقال في حديث مع (سدن) إن اجتماع رئيس الوزراء خلال يوم واحد مع قيادات مجلس النواب، ورؤساء أهم لجان الكونغرس، ووزارة الخزانة، ومؤسسة تمويل التنمية، وسفراء واشنطن السابقين، يعكس وجود قرار أمريكي بالتعامل مع العراق باعتباره شريكاً استراتيجياً في المرحلة المقبلة، مضيفاً أن "إدارة الرئيس ترامب ترى ان استقرار العراق بات مفتاحاً لاستقرار المنطقة، وأن نجاح بغداد في مكافحة الفساد، وحصر السلاح بيد الدولة، وإطلاق الإصلاحات الاقتصادية، سيخلق بيئة جديدة للاستثمار الأمريكي، ويحول العراق إلى مركز اقتصادي يربط الخليج وبلاد الشام وتركيا".
ويؤكد مولود أن الرسالة الأهم التي خرجت بها الزيارة هي أن العلاقة العراقية الأمريكية تدخل مرحلة جديدة عنوانها الاستثمار والاقتصاد والتكنولوجيا، بعدما كانت لسنوات طويلة محصورة في الملفات العسكرية والأمنية.
ويقول، أن هذا الزخم السياسي داخل العاصمة الأمريكية يضع العراق أمام فرصة تاريخية لإعادة التموضع على الخريطة الدولية، مستفيداً من دعم أمريكي متزايد لبرامج الإصلاح والتنمية، في وقت تسعى فيه حكومة علي الزيدي إلى تقديم نفسها بوصفها حكومة دولة ومؤسسات، قادرة على بناء اقتصاد متنوع، وترسيخ السيادة، وتحويل العراق إلى شريك إقليمي فاعل في معادلات الشرق الأوسط الجديد.