يمثل رحيل آخر القوات الأمريكية من العراق في 30 سبتمبر نهاية أحد أطول الفصول وأكثرها تأثيراً في تاريخ العراق الحديث، فبعد أكثر من عقدين على الغزو الأمريكي عام 2003، واثني عشر عاماً على عودة القوات الأمريكية لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، انتهى الوجود العسكري الأمريكي رسمياً.
لكن أهمية هذه اللحظة تتجاوز مغادرة الجنود الأمريكيين، فهي تعيد تشكيل موازين القوى داخل العراق، وتؤثر في علاقة بغداد بواشنطن، وقد تعزز نفوذ إيران والفصائل المتحالفة معها.. وفي المقابل، تضع الدولة العراقية أمام اختبار أكبر: هل تستطيع ربط السيادة بالأمن والاستقرار والثقة الاقتصادية؟
تمتلك الولايات المتحدة إحدى أوسع الشبكات العسكرية الخارجية في العالم، ورغم غياب رقم متفق عليه لعدد قواعدها، بسبب اختلاف تعريف القاعدة وتنوع المنشآت بين دائمة ومؤقتة ومشتركة، فإن لديها أكثر من مئة موقع وقاعدة دائمة في الخارج تؤدي أدواراً في الردع واللوجستيات والاستخبارات والانتشار السريع وحماية الحلفاء.
ومع ذلك، لا يُقابَل الوجود العسكري الأمريكي في الخارج بالترحيب دائماً، فالقول إن الدول تفضّل القواعد الأمريكية بينما رفضها العراق وحده تبسيط مخل، فبعض الحكومات، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، تراها ضمانة ضد تهديدات خارجية، فيما تستفيد دول أخرى من القدرات الاستخباراتية والتدريبية واللوجستية الأمريكية.
في المقابل، تثير القواعد الأجنبية اعتراضات سياسية تتصل بالسيادة والاستقلال والأمن المحلي والخشية من التورط في صراعات لا تخص الدولة المضيفة، ويستمد الموقف العراقي خصوصيته من إرث غزو 2003 والاحتلال الذي تلاه.
أما الفصائل العراقية المسلحة المتحالفة مع إيران، فقد عدّت الوجود الأمريكي انتهاكاً للسيادة وطالبت مراراً بانسحاب كامل للقوات الأجنبية، وبالنسبة إليها، لا يتعلق الأمر بالمبدأ السيادي وحده، بل بإزالة قوة عسكرية وازنة كانت تحد من نفوذ إيران داخل العراق.
لذلك بدا احتفال إيران وبعض الفصائل العراقية بالانسحاب بوصفه انتصاراً استراتيجياً مفهوماً، فقد شكّل الوجود الأمريكي لسنوات عائقاً أمام تمدد نفوذهم الأمني والسياسي، ومع رحيله، أصبحت إيران وحلفاؤها أكثر قدرة على الحركة، وبرز السؤال الأساسي: هل تستطيع الدولة العراقية أن تؤدي دور التوازن؟
ويحمل الانسحاب إرثاً سياسياً معقداً لدونالد ترامب، الذي انتقد طويلاً الانخراط العسكري الأمريكي الممتد ودفع خلال رئاسته إلى تقليص الانتشار في العراق وأفغانستان، وقد انسجم الانسحاب مع رؤيته السياسية، وإن كان توقيته نتاج تفاوض بين بغداد وواشنطن عام 2024 خلال رئاسة جو بايدن، ثم نُفّذ لاحقاً.
وقدّم ترامب رحيل القوات الأمريكية باعتباره إنهاءً لالتزام طويل ومكلف، واحتفى به كإنجاز للولايات المتحدة والعراق، ويعكس هذا الموقف تحولاً أوسع في السياسة الخارجية الأمريكية، مع تزايد الشكوك في جدوى الإبقاء على قوات كبيرة في الشرق الأوسط.
اقتصادياً، يُرجح أن يكون الأثر المباشر للانسحاب محدوداً على المستوى الوطني، فقد وفرت القواعد الأمريكية فرص عمل وعقوداً لعمال ومقاولين وشركات نقل وموردين، خصوصاً قرب المنشآت الكبرى، غير أن الاقتصاد العراقي يعتمد أساساً على النفط، لا على الإنفاق العسكري الأمريكي.
لذلك لا يحدد إغلاق القواعد وحده المسار الاقتصادي للعراق، فالعامل الحاسم هو ما إذا كان الانسحاب سيقود إلى استقرار أكبر أم إلى فراغ أمني وسياسي. فالمستثمرون يراقبون الأمن والبنية التحتية والفساد وكفاءة الدولة وقابلية مؤسساتها للتنبؤ، فإذا عزز الانسحاب السيادة والاستقرار، فقد يدعم البيئة الاستثمارية، أما إذا فاقم تنافس الجماعات المسلحة أو النفوذ الإيراني أو خطر عودة التنظيمات المتطرفة، فقد تكون نتائجه أكثر سلبية.
فالاضطراب الأمني يرفع كلفة الأعمال، ويضعف الثقة الاستثمارية، ويضر بالبنية التحتية، ويزيد تكاليف النقل والتأمين، ومن ثم، فالسؤال الحقيقي ليس حجم ما كانت تنفقه القواعد الأمريكية، بل قدرة العراق على حفظ الأمن والاستقرار بعد رحيلها.
وفي المحصلة، لا يعني انتهاء المهمة العسكرية الأمريكية اختفاء الولايات المتحدة من العراق، فما تزال واشنطن قادرة على مواصلة علاقتها مع بغداد عبر الدبلوماسية والتعاون الاستخباراتي والتدريب والشراكات الاقتصادية والدفاعية، كما أن الانسحاب العسكري لا يعني تلقائياً تحرر العراق من النفوذ الخارجي.
فالسيادة لا تعني غياب القوات الأجنبية فقط، بل تعني امتلاك الدولة العراقية السلطة على كامل أراضيها، واحتكار السلاح الشرعي، وحماية الحدود، ومنع الجماعات المسلحة من التحول إلى مراكز سلطة موازية.
ومن هذا المنظور، لا يمثل 30 سبتمبر يوم رحيل أمريكا فحسب، بل يوم تحمّل العراق مسؤولية أكبر تجاه مستقبله.
وبالنسبة إلى واشنطن، يمثل الانسحاب إغلاق فصل عسكري مكلفاً والابتعاد أكثر عن الالتزامات البرية الواسعة في الشرق الأوسط.
وبالنسبة إلى إيران وحلفائها، يزيل عقبة استراتيجية مهمة.
أما بالنسبة إلى الحكومة العراقية، فيفتح فرصة لإثبات السيادة، لكن قيمة هذا التحول بالنسبة إلى العراقيين ستتحدد بما سيأتي بعده.. فإذا استطاع العراق تحويل رحيل القوات الأجنبية إلى مؤسسات أقوى، وأمن أفضل، وسياسة خارجية أكثر استقلالاً، فقد يصبح هذا اليوم نقطة تحول حقيقية، أما إذا ملأ الفراغ مزيد من الفصائل المسلحة والتدخلات الخارجية وعدم الاستقرار، فلن يتغير سوى شكل الهيمنة، لا جوهر المشكلة.
قد ينتهي العصر العسكري الأمريكي في العراق، لكن الصراع على من يملك القرار ويؤثر في مستقبل البلاد لم ينتهِ بعد.