الصيدلية التي سبقت الإنسان..
الأفيال تعرف أي نبات تبحث عنه وهي مريضة

الصيدلية التي سبقت الإنسان..
الأفيال تعرف أي نبات تبحث عنه وهي مريضة
حجم الخط

لندن - سدن

في سفوح جبل إلغون الكيني، لا يحتاج الباحث إلى معطف أبيض كي يدخل الصيدلية، فالصيدلية هناك قد تكون شجرة أو جذراً أو قطعة من الطين، والمريض الذي يقصدها قد يزن عدة أطنان.

دراسة حديثة نشرتها دورية Scientific Reports في 24 سبتمبر أعادت إلى الواجهة واحداً من أكثر موضوعات علم سلوك الحيوان إثارة، وهو احتمال أن تكون الأفيال الأفريقية قادرة على اختيار نباتات ومواد طبيعية بعينها عندما تمرض، أي أنها لا تأكل دائماً لأن الشيء غذاء، بل قد تبحث عنه أحياناً لأن له وظيفة علاجية.

الدراسة، التي تناولت أفيال منطقة جبل إلغون في كينيا، وثقت من خلال المعرفة المحلية 35 نوعاً نباتياً من 23 عائلة نباتية، إضافة إلى أربعة أنواع من التربة أو المعادن أو الطين، ترتبط بما وصفه الباحثون بسلوك دوائي محتمل.

والأكثر إثارة أن السكان والخبراء المحليين قدموا روايات تفصيلية عن 19 من هذه الموارد، شملت حالات أكل غير معتادة وطرقاً خاصة في الحصول على النبات ومواد لا تقصدها الأفيال بصورة متكررة في غذائها اليومي.

ومن أصل 39 مورداً ذكرت في المقابلات، كان 34 منها معروفاً أيضاً باستخدامات علاجية بشرية تقليدية، فيما صنف الباحثون ثمانية نباتات في أعلى فئة من السلوك الذي قد يشير إلى استخدام علاجي مقصود من حيوان يبدو مريضاً.

لكن الكلمة المهمة هنا هي (قد)، فالعلماء حذرون لأن هناك فرقاً هائلاً بين أن يأكل الحيوان نباتاً يحتوي مركباً دوائياً، وبين أن نقول إنه (يعرف) أنه دواء، فقد يكون الطعم جذاباً في حالة فسيولوجية معينة، وقد تكون هناك حاجة إلى معدن، أو قد يكون السلوك تعلمياً من دون إدراك يشبه مفهوم الإنسان للعلاج، ولذلك يستخدم الباحثون مفهوم zoopharmacognosy، أي دراسة التداوي الذاتي عند الحيوان، بحذر شديد، ويحاولون التمييز بين المصادفة والغذاء الطبيعي والسلوك العلاجي الحقيقي.

وهذه الصعوبة هي ما يجعل الموضوع جميلاً علمياً.

فالإنسان يميل إلى خطأين متعاكسين عندما ينظر إلى الحيوان، إما أن يجعله نسخة ناقصة من الإنسان، فينسب إليه نوايا ومشاعر وأفكاراً لا يستطيع إثباتها، أو أن يعامله كآلة غريزية لا تعرف شيئاً ولا تتعلم شيئاً، وما تكشفه العقود الأخيرة من دراسة السلوك الحيواني هو أن الواقع أكثر تعقيداً من الطرفين.

الشمبانزي، مثلاً، شوهد وهو يبتلع أوراقاً خشنة كاملة تمر عبر الجهاز الهضمي، ويربط باحثون ذلك بالمساعدة في التخلص من بعض الطفيليات، كما رصدت لدى رئيسيات أخرى سلوكيات مرتبطة بنباتات ذات خصائص كيميائية معينة.

وتوجد أمثلة على حيوانات تستخدم مواد على أجسامها أو جروحها، ولا يعني كل ذلك وجود (طب حيواني) بالمفهوم البشري، لكنه يثبت أن الحدود بين الغذاء والسلوك الصحي ليست بسيطة.

وتضيف الأفيال إلى المسألة بعداً خاصاً، لأنها حيوانات اجتماعية ذات ذاكرة قوية، وحياة طويلة، وعلاقات معقدة بين الأمهات والصغار وأفراد القطيع.

ومن الروايات اللافتة في دراسة جبل إلغون ما يتعلق بأمهات يقال إنها تقدم موارد نباتية معينة لصغارها، وهو سلوك إذا ثبت بالملاحظة المباشرة بصورة متكررة فسيكون مهماً، لأنه ينقل النقاش من (حيوان يختار شيئاً لنفسه)، إلى احتمال وجود شكل من أشكال الرعاية الصحية الاجتماعية.

وهنا يصبح سؤال التعلم مركزياً، فكيف يعرف الفيل النبات؟

قد تكون بعض الاستجابات فطرية، وقد يتعلم الحيوان من التجربة الفردية، لكن في الأنواع الاجتماعية طويلة العمر توجد إمكانية ثالثة: الثقافة.

وليس المقصود بالثقافة مسرحاً وكتاباً، بل معرفة تنتقل اجتماعياً بين أفراد الجماعة، إذا تبعت أنثى صغيرة أمها إلى شجرة معينة في وقت مرض، ثم كررت السلوك لاحقاً، فإن النبات لا يكون مجرد مورد في البيئة، بل معلومة انتقلت بين جيلين.

والأهمية لا تقتصر على فهم الفيل، فالدراسة نفسها تبرز دور المعرفة البشرية المحلية، وكثير من البيانات جاءت من أشخاص يعيشون قرب الأفيال ويعرفون النباتات وسلوك الحيوانات، وهي نقطة مهمة في علاقة العلم الحديث بالمعرفة التقليدية، فالباحث القادم من جامعة يستطيع تحليل المركبات وتصميم الدراسة، لكنه لا يملك تلقائياً خبرة الراعي أو المعالج التقليدي أو الشخص الذي راقب القطيع سنوات.

ولفترة طويلة تعامل بعض العلم الغربي مع المعرفة المحلية باعتبارها حكايات تحتاج إلى أن يأتي المختبر ليصححها، لكن المنهج الأكثر نضجاً لا يقبلها بلا اختبار ولا يحتقرها بلا اختبار، بل يأخذها كفرضية متراكمة من الملاحظة، ثم يحاول فحصها.

وفي حالة جبل إلغون تظهر مصادفة مثيرة: 87 في المئة من الموارد المذكورة للأفيال لها أيضاً استعمالات طبية تقليدية لدى البشر وفق المشاركين في الدراسة، وهذا لا يعني أن الأفيال والبشر يعالجون الأمراض نفسها بالنباتات نفسها، ولا أن كل استخدام تقليدي فعال طبياً. لكنه سبب قوي كي يسأل الكيميائيون وعلماء النبات، ماذا يوجد في هذه الأنواع؟ حيث يمكن تحليل النباتات بحثاً عن مركبات مضادة للالتهاب أو الطفيليات أو الميكروبات، ومقارنة ما تأكله الأفيال المريضة بما تأكله السليمة، ومراقبة الحيوان قبل تناوله وبعده، وتحليل الفضلات والدم عند الإمكان، وعندها يتحول السلوك من رواية جذابة إلى فرضية قابلة للاختبار.

لكن هناك فخاً يجب تجنبه، وهو تحويل الحيوان إلى صيدلي صغير في قصة رومانسية.

فالفيل لا يحتاج إلى أن يفهم الكيمياء كي يستفيد من النبات، كما أن الإنسان استخدم نباتات طبية آلاف السنين قبل أن يعرف أسماء الجزيئات الفعالة فيها، فالمعرفة يمكن أن تكون سلوكية وتجريبية من دون أن تكون نظرية، وهذا بالضبط ما يجعلها مثيرة.

فالإنسان نفسه بدأ الطب بهذه الطريقة: شيء يؤلم، شيء يجرب، شيء ينجح، ثم تنتقل المعرفة، وبعد آلاف السنين جاءت المختبرات والصيغ الكيميائية والتجارب السريرية، وربما تحتفظ بعض الحيوانات بصورة أولية جداً من المبدأ نفسه: خبرة بيولوجية أو اجتماعية تربط حالة معينة بمورد معين.

وهنا تلتقي القصة بالحفاظ على البيئة، إذا كانت جماعات الأفيال تمتلك معرفة مكتسبة بالنباتات والموارد العلاجية، فإن فقدان أنثى كبيرة في القطيع لا يعني خسارة فرد واحد فقط، بل ربما خسارة مكتبة حية من المسارات والمياه والطعام والسلوك، وهذا يعطي مفهوم حماية الحيوان معنى أوسع، فنحن لا نحمي الجينات والأعداد فقط، بل ربما نحمي معرفة اجتماعية تراكمت خلال عقود.

كما أن تدمير الموطن قد يمحو (الصيدلية) نفسها، فالحيوان يستطيع النجاة في مساحة أصغر إذا وجد السعرات التي يحتاجها، لكن النجاة البيولوجية الدنيا ليست بالضرورة حياة بيئية كاملة، فماذا يحدث إذا اختفت الشجرة التي يقصدها في موسم معين؟ أو قطع الممر الذي يصل إلى تربة معدنية؟

وتلك أسئلة تجعل الحفاظ على التنوع النباتي جزءاً من الحفاظ على صحة الحيوان.

في النهاية لا تخبرنا دراسة جبل إلغون أن الأفيال أصبحت أطباء، ولا تحتاج إلى هذا الادعاء كي تكون مهمة، هي تخبرنا شيئاً أكثر تواضعاً وأعمق: أننا ما زلنا نعرف القليل عن الطريقة التي تقرأ بها الحيوانات بيئتها، وأن الغابة ليست بالنسبة إليها مخزناً للطعام فقط، بل شبكة من الموارد والمعارف والاختيارات.

وقد يكون بعض أقدم أشكال الطب على الأرض قد بدأ قبل أن يكتب الإنسان أول وصفة بزمن طويل، عندما شعر حيوان بأنه ليس على ما يرام، فترك طعامه المعتاد، وسار إلى نبات بعينه.