لماذا نحتاج إلى المدرج؟
في زمن نستطيع فيه مشاهدة المباراة وحدنا

لماذا نحتاج إلى المدرج؟
في زمن نستطيع فيه مشاهدة المباراة وحدنا
حجم الخط

لندن - سدن

من الناحية العقلانية، لا يوجد سبب قوي للذهاب إلى ملعب كرة القدم، حيث ستدفع أكثر، وتقضي وقتاً في الطريق، وربما تقف في المطر، وتجلس إلى جوار شخص يصرخ قرب أذنك، ولن ترى الإعادة البطيئة، وقد يحجب رأس رجل طويل جزءاً من المشهد، ثم تخرج مع عشرات الآلاف في الوقت نفسه وتنتظر القطار.

في البيت توجد شاشة عالية الدقة، ومعلق، وزوايا تصوير، وثلاجة على بعد خطوات، ولا أحد يمنعك من الذهاب إلى الحمام في الدقيقة السابعة والثلاثين.

ومع ذلك، تمتلئ الملاعب.

السبب أن المشجع لا يشتري في المدرج رؤية المباراة فقط.. بل هو يشتري أن يكون داخلها.

دراسة نشرت هذا العام في British Journal of Social Psychology تناولت تحديداً الأصوات الجماعية في الأحداث الرياضية الحية، من الغناء والهتاف إلى التصفيق المتزامن، وركزت على جماهير نادي سيلتيك الاسكتلندي.

ووجد الباحثون أن إنتاج الصوت الجماعي ليس مجرد ضوضاء مصاحبة للمباراة، بل طريقة للتعبير عن هوية اجتماعية مشتركة متجذرة في التاريخ، وفي الوقت نفسه تجربة حاضرة تستطيع أن تغير شعور الفرد بنفسه وبالآخرين من حوله.

وهذا يفسر شيئاً يعرفه كل من دخل ملعباً كبيراً، فالهتاف وحدك يبدو سخيفاً، بينما الهتاف مع خمسين ألفاً يبدو طبيعياً.

فلم يتغير الصوت، بل تغيرت الجماعة، فالإنسان كائن شديد الحساسية للتزامن، وعندما نصفق معاً ونغني معاً ونقف في اللحظة نفسها، تصبح أجسادنا جزءاً من إيقاع واحد، وهناك أدلة تجريبية على أن الحضور الجماعي في الأحداث الرياضية، يرتبط بتزامن فسيولوجي أكبر بين المشجعين مقارنة بمشاهدة المباراة في مجموعات صغيرة عبر التلفزيون، وأن هذا التزامن ارتبط بتجارب أكثر قوة وباندماج أكبر في هوية الجماعة.

أي أن عبارة (يجب أن تكون هناك) ليست مجرد دعاية لبيع التذاكر، بل ان هناك شيء يحدث فعلاً عندما تكون هناك.

فالملعب واحد من الأماكن القليلة الباقية في المدينة الحديثة التي يسمح فيها للبالغ بأن يفقد شيئاً من ضبطه الاجتماعي الطبيعي، والرجل الذي لا يرفع صوته في المكتب يستطيع أن يغني أمام الغرباء، والمحامي الذي يقضي أسبوعه في لغة دقيقة يستطيع أن يصرخ في الحكم، والناس يعانقون شخصاً لم يعرفوا اسمه قبل دقيقة لأن الكرة دخلت الشباك.. وهذه الحرية الجماعية جزء من الجاذبية.

لكن المدرج ليس فوضى فقط، فلديه طقوس، فطريق معين إلى الملعب، وحانة معينة، وقميص، وأغنية، ومكان جلوس، وشخص تلتقيه، وطعام تأكله، ومع مرور السنوات تصبح المباراة إطاراً تُعلق عليه الذاكرة الشخصية.

يقول المشجع "كنت مع أبي في تلك المباراة"، لا يقول فقط "فاز الفريق 2-1"، وهنا تتحول الرياضة إلى طريقة لقياس العمر.

طفل يأتي مع أبيه، ثم يأتي مع أصدقائه، ثم يأتي مع ابنه، اللاعبون يتغيرون والمدربون يرحلون والملعب ربما يجدد، لكن القميص يبقى علامة استمرارية، ولهذا تستطيع هوية النادي أن تكون أقوى من نتائج النادي نفسها.

ولو كان المشجع مستهلكاً عادياً، لتوقف عن شراء المنتج عندما يصبح سيئاً، حيث لا أحد يستمر عشرين عاماً في شراء هاتف رديء بدافع الوفاء للشركة، لكن مشجع فريق يهبط إلى الدرجة الأدنى قد يصبح أكثر التصاقاً به، لأن العلاقة ليست علاقة جودة فقط.. فالنادي جزء من (نحن).

ودراسات الهوية الرياضية تبين أن الشعور بالانتماء إلى الفريق والمكان يؤثر في نية الحضور، وأن العلاقة بين النادي وجمهوره تتحسن عندما يشعر المشجع بأن المؤسسة تتواصل معه وتمثل مخاوفه، لا عندما تعامله مجرد مشترٍ للتذكرة.

وهنا تظهر أزمة كرة القدم الحديثة، فالأندية الكبرى أصبحت شركات إعلامية عالمية، وجمهورها موزع من مانشستر إلى مانيلا، وهذا نجاح هائل، لكنه يخلق توتراً مع المشجع المحلي الذي يرى أن النادي الذي كان مؤسسة مدينته أصبح علامة تجارية دولية.

والسعر هو أوضح نقطة صراع.. فإذا استطاع النادي بيع المقعد للسائح بمبلغ أعلى، فما الذي يلزمه بالحفاظ على سعر يستطيع العامل المحلي دفعه؟

اقتصاد السوق يقول: لا شيء.

لكن اقتصاد الهوية يقول: كل شيء.

فالملعب الذي يمتلئ بمن يستطيع دفع أعلى سعر فقط قد يربح أكثر في المدى القصير، ويخسر الشيء الذي يجعل التجربة قابلة للبيع أصلاً: الجمهور الذي يعرف الأغاني والتاريخ ويصنع الجو.

السائح يأتي جزئياً كي يرى هؤلاء، وإذا طردوا بالأسعار، يصبح المنتج أكثر نظافة وأقل حياة.

وهذا ما تفهمه بعض الأندية حين تحمي تذاكر موسمية أو مناطق جماهيرية، وما تفشل فيه أخرى عندما ترى المقعد وحدة إيراد لا جزءاً من ثقافة.

ثم جاءت الهواتف..

في المدرج الحديث آلاف الشاشات مرفوعة لتصوير اللحظة التي جاء الناس كي يعيشوها، وهي مفارقة عصرنا، اي ندفع كي نكون حاضرين ثم ننظر إلى الحدث عبر شاشة صغيرة لإثبات أننا حضرنا.

لكن الملعب يقاوم هذا السلوك أكثر من أماكن أخرى، لأن الهدف المفاجئ لا ينتظر أن تجهز الكاميرا، حيث تنفجر الجماعة قبل أن يقرر الفرد كيف يتصرف.

ولهذا تظل الرياضة من آخر أشكال الثقافة التي تحتفظ بمفاجأة زمنية كاملة، فالفيلم يمكن إيقافه، والأغنية يمكن إعادتها، والكتاب ينتظرك.. أما الدقيقة التسعون فلا تنتظر أحداً.

وهذه الندرة الزمنية تخلق قيمة، فآلاف البشر يعرفون أن اللحظة نفسها تمر عليهم جميعاً الآن، وليس بعد ساعة ولا غداً.

حتى الألم جزء من ذلك.. فالخسارة في البيت مؤلمة، لكنها في المدرج تصبح حزناً جماعياً، تنظر حولك فترى آلاف الوجوه التي فهمت ما حدث من دون شرح، وهذا ما يجعل الهزيمة مشتركة.

وفي زمن يتزايد فيه استهلاك الثقافة بصورة فردية، يصبح هذا الاشتراك نادراً.

حيث نضع السماعات ونستمع وحدنا، ونشاهد المسلسل في الوقت الذي يناسبنا، ونقرأ الأخبار التي اختارتها لنا تفضيلاتنا، بينما الملعب يجبر الجميع على شيء واحد في الوقت نفسه.

وقد تكون هذه هي القيمة الحقيقية للتذكرة، إنها التخلي ساعتين عن حقك في التحكم الكامل بالتجربة.

تدخل ولا تعرف النتيجة، ولا تستطيع تقديم الوقت، ولا تختار من يجلس حولك، ولا تعرف إن كنت ستخرج سعيداً، ومع ذلك تعود، لأن الإنسان، مهما أصبحت حياته قابلة للتخصيص، لا يريد أن يعيشها كلها وحده.