نيلز يارد..
الفناء الصغير الذي قاوم فكرة أن وسط لندن يجب أن يصبح نسخة واحدة

نيلز يارد..
الفناء الصغير الذي قاوم فكرة أن وسط لندن يجب أن يصبح نسخة واحدة
حجم الخط

لندن - سدن

يمكن أن تقضي سنوات في لندن ولا ترى نيلز يارد إلا بالصدفة، هذا جزء من اللعبة التي تجيدها المدينة، حيث الأشياء الكبيرة تعلن نفسها، أما بعض أجمل الأشياء فتضع مدخلها بين شارعين وتنتظر أن تلاحظ.

في كوفنت غاردن، حيث المسرح والمتاجر والسياح والواجهات اللامعة، يكفي أن تنحرف خطوات قليلة من مونماوث ستريت أو شورتس غاردنز حتى ينفتح أمامك فناء صغير غير منتظم، مبانيه ملونة ونباتاته كثيرة وطاولاته متقاربة، وكأن شخصاً أخذ قطعة من لندن البديلة في السبعينيات وأخفاها في قلب واحدة من أكثر مناطق لندن تجارياً.

لكن نيلز يارد ليس قصة ألوان، إنه قصة من يملك حق تشكيل المدينة.

اسمه يعود إلى توماس نيل، السياسي ورجل المشاريع الذي حصل في 1690 على أرض في المنطقة من الملك وليام الثالث، ثم وضع مشروع Seven Dials، أحد أكثر مخططات لندن غرابة وذكاء من الناحية العقارية، فبدلاً من ساحة تقليدية، صمم شبكة شوارع شعاعية تزيد الواجهات القابلة للتأجير، وبدأ البناء في 1693، وحتى أسماء الشوارع صممت لجذب السكان الميسورين.

ومن الطريف أن مخطط نيل الأصلي المقدم إلى كريستوفر رن أظهر ستة شوارع وكنيسة، ثم أضاف شارعاً ولم يبن الكنيسة، فزادت قيمة الأرض من دون المنشأة الاجتماعية الموعودة، أي أن قصة المطور العقاري الذي يجد طريقة لاستخراج متر إضافي من المدينة ليست اختراعاً حديثاً تماماً.

أما الفناء الذي يحمل اسمه اليوم فلم يكن دائماً مكاناً يريد أحد تصويره.

حتى منتصف السبعينيات كان مجموعة من المخازن والورش المرتبطة بسوق كوفنت غاردن للخضار والفاكهة، وكان مهملاً إلى درجة أنه لم يظهر حتى على خريطة London A-Z، تصف المصادر المحلية المكان بأنه كان مظلماً ومهجوراً ومليئاً بالفئران.

ثم جاء نيكولاس سوندرز.. وهو من الشخصيات التي يصعب وضعها في خانة واحدة، فهو رائد أعمال، وناشط في الثقافة البديلة، وناشر أدلة، ومهتم بالطعام الكامل والبيئة وأنماط الحياة خارج التيار التجاري السائد، وفي أوائل السبعينيات كان ينتج أدلة عن (إنجلترا وويلز البديلة)، متنقلاً في عربة حولها إلى مكتب ومسكن، ثم وجد في نيلز يارد شيئاً لم يكن السوق يراه.

في 1976 افتتح Whole Food Warehouse، وبدأ الفناء يتغير.

والأهمية هنا ليست أن متجراً ناجحاً افتتح، فلندن مليئة بالمتاجر الناجحة، الأهم أن سوندرز ساعد على بناء بيئة من المشروعات الصغيرة ذات هوية مشتركة تقريباً: غذاء طبيعي، ومنتجات مختلفة عن السوق السائد، ومقاهٍ، وأعمال مستقلة، وأشخاص ينجذبون إلى فكرة المكان بقدر انجذابهم إلى المنتج.

ومن هذا المناخ خرجت أسماء أصبحت لاحقاً معروفة على نطاق أوسع بكثير، مثل Neal’s Yard Remedies وMonmouth Coffee وNeal’s Yard Dairy، وإن تغيرت ملكيات ومواقع ومسارات بعض هذه الأعمال مع الزمن.

وهنا تبدأ المفارقة اللندنية الجميلة، فالمكان البديل ينجح لأنه ليس تجارياً بالشكل التقليدي، ثم يصبح نجاحه سبباً في ارتفاع قيمته التجارية.

هذه قصة تكررت في أحياء لندن عشرات المرات، حيث يصل الفنانون وأصحاب المشاريع الصغيرة إلى مكان رخيص لا يريده المستثمر الكبير، فيصنعون فيه حياة وثقافة، ثم تصبح الحياة نفسها قيمة عقارية، فترتفع الأسعار، ويصل المستثمرون، ويبدأ الأشخاص الذين صنعوا الجاذبية بالعجز عن تحمل كلفتها!

شورديتش عرف ذلك، وسوهو عرفه، وبريكستون يعرفه، وكامدن يعرفه، ونيلز يارد، بحجمه الصغير، نموذج مكثف للمشكلة.

اليوم يوصف في الأدلة السياحية بأنه واحد من أكثر أماكن لندن (قابلية للإنستغرام)، وهذه العبارة وحدها تلخص التحول، انه اللون الذي كان تعبيراً عن شخصية المكان أصبح سبباً لزيارة المكان من أجل الصورة.

وليس في ذلك خطيئة، فالمدينة الجميلة ستُصور، لكن السؤال هو ماذا يحدث عندما تصبح الصورة هي الوظيفة الرئيسية للمكان، فالسائح يدخل، يلتقط، ينشر، ويغادر، أما المدينة فتحتاج إلى شخص يعود غداً، وهنا تظهر أهمية الأعمال المستقلة والسكان.

دراسة للمجال العام في Seven Dials تشير إلى وجود قدر ربما يفاجئ الزائر من المساكن داخل الفناء وخلف واجهاته، وتحذر في الوقت نفسه من أن نجاح نيلز يارد وشعبيته يفرضان الحذر حتى لا يفقد شخصيته، وهذه ملاحظة حضرية مهمة، فنحن نفكر أحياناً في وسط لندن كأنه منطقة عرض: مسرح، مطعم، متجر، فندق، مكتب، لكن المدينة الحقيقية تحتاج إلى نوافذ يطفئ أصحابها الضوء لأنهم ذاهبون للنوم، فالسكن يمنع المركز من التحول بالكامل إلى منتزه تجاري.

ونيلز يارد أيضاً مثال على قيمة الفناء في العمارة اللندنية، فلندن ليست مدينة ساحات ضخمة على الطريقة القارية في كل مكان، وكثير من سحرها يوجد في الانتقال بين العام وشبه العام، حيث ممر، mews، yard، court، زقاق ينفتح فجأة على مساحة، وهذه الجغرافيا تصنع إحساس الاكتشاف، بحيث لا ترى المكان كله من بعيد، بل تدخل إليه، وهذا يغير السلوك، ففي الشارع الكبير أنت عابر، وفي الفناء تصبح السرعة أقل، تنظر إلى الواجهات، وقد تجلس.

أذن التصميم هنا يخلق اجتماعاً..

كما أن تاريخ Seven Dials نفسه يضيف مراحل إلى التجربة، فالمنطقة صممت في أواخر القرن السابع عشر حول مخطط شعاعي فريد، وفي مركزها عمود الساعة الشمسية الذي أزيل في القرن الثامن عشر ثم أعيد بناؤه بدقة في 1989، ومع الزمن انتقلت المنطقة من طموح لجذب السكان الميسورين إلى كثافة تجارية وسكنية وورش ومهن ومطابع وحانات، ثم مرت بفترات تراجع وتجديد.

أي أن التحول ليس حادثاً حديثاً في هذا الجزء من لندن، بل هو حالته الطبيعية، لكن كل تحول يترك سؤالاً: ماذا نحتفظ به؟

فلا يمكن تحويل كوفنت غاردن إلى متحف للسبعينيات، ولو بقي كل شيء كما كان عندما وصل سوندرز، لتحول البديل نفسه إلى ديكور تاريخي مصطنع.

وفي المقابل، إذا سمحنا للقيمة العقارية بأن تفعل كل شيء، فقد ينتهي بنا الأمر إلى وسط مدينة رائع الصيانة، مرتفع الإيجارات، ممل بصورة مثالية.

اذن المشكلة أن الاستقلال التجاري ليس مجرد ملكية متجر صغير، هو تنوع في القرار، فالسلسلة الكبرى تتخذ قرارها وفق نموذج يمكن تكراره في مئة مدينة، والمتجر المستقل يستطيع أن يكون غريباً لأنه يحتاج إلى إقناع عدد أقل من المديرين، وهذه الغرابة جزء من شخصية المدينة.

وليس المقصود تمجيد كل متجر صغير أو شيطنة كل سلسلة، فبعض السلاسل ممتازة وبعض المستقلين سيئون، لكن المدينة التي لا تملك إلا النوع الأول تفقد احتمالات المفاجأة، ولهذا ينجح نيلز يارد لأنك لا تشعر فوراً بأنك تعرف ما سيأتي في الواجهة التالية، ولهذا فإن حمايته لا تعني تثبيت ألوان الجدران فقط، فاللون أسهل شيء يمكن نسخه، حيث يمكن لمطور أن يبني غداً فناءً جديداً ويطلي الجدران بالأزرق والأصفر ويزرع نباتات ويكتب في الإعلان «Hidden Gem»، لكن لا يستطيع شراء أربعين عاماً من العلاقات والقصص والأعمال التي نشأت في المكان.

ةهذه هي المشكلة في المدن التي تحاول تصنيع الأصالة.. فالأصالة ليست نمط تصميم، هي وقت، وفي لندن، الوقت أغلى من العقار أحياناً.

المدينة التي تتغير بسرعة تحتاج إلى جيوب تستطيع فيها أن ترى مراحل التحول لا نتيجة التحول فقط، ونيلز يارد واحد منها: أرض من مشروع عقاري في القرن السابع عشر، مخازن مرتبطة بسوق الخضار، فناء مهمل، مركز للثقافة البديلة، ثم عنوان عالمي صغير محاصر بجاذبيته.

وربما لهذا يستحق أن يراه اللندني لا السائح فقط، لأنه درس صغير في الطريقة التي تصنع بها المدن الأماكن التي يحبها الناس ثم تبدأ، بسبب الحب نفسه، بتهديدها.

ونيلز يارد لا يحتاج إلى أن يبقى كما كان في 1976، فالمدينة التي لا تتغير تموت، لكنه يحتاج إلى أن يحتفظ بشيء من السبب الذي جعل نيكولاس سوندرز ينظر إلى فناء مظلم لا يظهر على الخريطة، ويرى فيه إمكانية لا يراها الآخرون.

فالاختبار الحقيقي لأي مدينة عظيمة ليس قدرتها على حماية مبانيها الجميلة فقط، بل قدرتها على ترك مساحة للشيء الغريب التالي كي يبدأ.