لندن - سدن
ليس أكثر ما يطفئ الرغبة في العلاقات الطويلة خصاماً كبيراً أو خيانة أو نهاية مفاجئة، بل شيء أقل درامية بكثير، انه التعب.
طفل يستيقظ في الليل، وظيفة تمتد إلى الهاتف بعد العودة إلى المنزل، رحلة طويلة إلى العمل، أب مريض، فواتير، تنظيف، طبخ، رسائل لم يرد عليها، ثم يصل شخصان إلى السرير في آخر اليوم ويتوقع كل منهما من جسده أن ينتقل فوراً من إدارة الحياة إلى الرغبة.. وحين لا يحدث ذلك، يبدأ سوء الفهم، يظن أحدهما أن الآخر لم يعد يريده، بينما الحقيقة في أحيان كثيرة أن الجهاز العصبي لا يملك طاقة كافية كي يريد أي شيء سوى النوم.
ان الصحة الجنسية، كما تتعامل معها المؤسسات الطبية الحديثة، ليست أداءً جسدياً معزولاً، بل حالة ترتبط بالصحة الجسدية والعاطفية والعقلية والاجتماعية، ولذلك فإن الرغبة تتأثر بما يحدث خارج غرفة النوم بقدر ما تتأثر بما يحدث داخلها.
فالإنسان الذي يحمل توتراً متواصلاً لا يتركه عند باب الغرفة، والجسد الذي نام خمس ساعات، لا يقرأ الرومانسية بالطريقة نفسها التي يقرأها بها جسد مرتاح.
والمشكلة أن الثقافة الشعبية صنعت صورة مختلفة، فالحب الحقيقي، وفق هذه الصورة، يفترض أن يولد الرغبة تلقائياً دائماً، وأن الزوجين المتحابين يريدان بعضهما في الوقت نفسه وبالقوة نفسها، وإذا انخفضت الرغبة فلابد أن هناك خللاً عاطفياً، وهذه فكرة مريحة للسينما وسيئة للزواج، لأن البشر لا يعملون بمؤشر واحد.
فهناك من يشعر بالرغبة تلقائياً ثم يبحث عن القرب، وهناك من تظهر رغبته بعد أن يبدأ الشعور بالراحة واللمس والحنان، وهو ما يصفه متخصصون بالرغبة الاستجابية، وهذا لا يعني أبداً أن يبدأ الإنسان علاقة لا يريدها أو أن الموافقة قابلة للتفاوض، فالرضا والاختيار شرطان لا نقاش فيهما، لكنه يعني أن غياب الشرارة المفاجئة في الساعة الحادية عشرة ليلاً ليس شهادة وفاة للحب.
كذلك التعب يؤثر بصورة غير متساوية، ففي أسر كثيرة قد يعمل الطرفان خارج المنزل، لكن أحدهما يحمل أيضاً (الإدارة الخفية) للبيت، حيث مواعيد الأطفال، وشراء الأشياء الناقصة، والتواصل مع المدرسة، والتفكير في الطعام، والتواصل مع الاهل والأقارب، وهذا العمل الذهني لا يظهر في صورة سلة غسيل، لكنه يستهلك الانتباه، ومن الصعب أن يشعر الإنسان بأنه مرغوب حين يشعر طوال اليوم بأنه مدير عمليات.
ولهذا يمكن أن تبدأ معالجة الفتور من المطبخ لا من غرفة النوم، فتوزيع الأعمال بصورة أكثر عدلاً قد يكون أكثر فائدة من أي محاولة لصناعة (جو رومانسي) فوق تعب لم يتغير، فالشخص الذي يجد أن شريكه حمل عنه جزءاً من اليوم يشعر بأنه مرئي ومراعى، وهذه المشاعر نفسها جزء من الحميمية.
ثم يأتي النوم.. أن قلة النوم تؤثر في المزاج والطاقة والهرمونات والصحة العامة، لكن الأزواج كثيراً ما يتعاملون معها كقدر، وإذا كان لديهما أطفال صغار أو دوام مبكر، تصبح الساعة المتاحة للعلاقة هي نفسها الساعة التي يحتاج فيها الجسم إلى النوم، وعندها يتحول الأمر إلى منافسة بين حاجتين بيولوجيتين، وغالباً يفوز النوم.
أذن الحل ليس جدولاً صارماً يجعل العلاقة موعداً إدارياً بارداً، لكن فكرة العفوية فقط ليست مقدسة أيضاً، فنحن نحدد وقتاً للعشاء والسفر والأصدقاء والرياضة لأن الأشياء المهمة تحتاج إلى مساحة، فلماذا نتوقع من القرب وحده أن يجد وقته بنفسه وسط جدول ممتلئ؟
بعض الأزواج يجدون أن الصباح أفضل، أو عطلة نهاية الأسبوع، أو وقتاً لا يكون فيه الأطفال في المنزل، اذن التخطيط لا يلغي الرومانسية، وانما قد يحميها من الفوضى.
كما أن الحميمية ليست مرادفاً للجماع، حين يصبح كل عناق مقدمة إلزامية له، فقد يبدأ الطرف المتعب في تجنب العناق نفسه خوفاً من أن يفهم بوصفه وعداً، وهنا تخسر العلاقة شيئاً ثميناً، حيث يمكن للزوجين أن يعيدا مساحة اللمس غير المشروط: قبلة، احتضان، نوم قريب، تدليك، حديث في الظلام، من دون أن يكون لكل ذلك هدف يجب الوصول إليه.
وهذا يخفف الضغط، والضغط أحد أكبر أعداء الرغبة.
أما الرفض فيحتاج إلى لغة أرحم، فـ(أنا متعب الليلة) ليست (أنا لا أريدك)، وإذا كان الطرف الذي يسمعها يحولها في كل مرة إلى محاكمة للحب، فإن الآخر سيتعلم أن قول الحقيقة مكلف.
وفي الاتجاه الآخر، لا يجوز أن يصبح التعب جواباً دائماً لا يسمح للطرف الآخر حتى بالحديث عن احتياجه، فالرغبة ليست حقاً في جسد الآخر، لكنها حاجة عاطفية وجسدية مشروعة يمكن مناقشتها باحترام.
وإذا استمر التغير فترة طويلة أو ظهر فجأة، فمن الحكمة التفكير طبياً أيضاً، فبعض الأدوية والأمراض والألم والاكتئاب والقلق والتغيرات الهرمونية تؤثر في الرغبة.
والعلاقات الطويلة لا تفشل لأن الرغبة تتغير، فالتغير طبيعي، لكن ما يهددها هو تفسير كل تغير بصورة شخصية، أو الصمت عنه، أو تحويله إلى سلاح.
والحميمية الناضجة ليست قدرة شخصين على تجاهل التعب، بل قدرتهما على فهمه، وتقاسم أسبابه، وصناعة مساحة للقرب داخل حياة حقيقية لا تشبه إعلانات العطور.
فأحياناً لا يحتاج الحب إلى مزيد من الإثارة.. يحتاج إلى ثماني ساعات نوم.