لندن - سدن
عاد الطعام المخمر إلى الموضة الصحية بقوة، فالكيمتشي والكفير والساوركراوت والكومبوتشا واللبن والمخللات التقليدية تعرض أحياناً كأنها مفاتيح سحرية للأمعاء والمناعة والمزاج، وفي الطرف الآخر يرد المتشككون بأن البشر يخمرون الطعام منذ آلاف السنين، وأن تحويل كل مرطبان إلى (بروبيوتيك) هو مجرد تسويق جديد لعادات قديمة.
وفي مراجعة علمية واسعة نشرتها npj Science of Food هذا العام وصفت الأطعمة المخمرة التقليدية بأنها أنظمة بيئية ميكروبية ديناميكية تتشكل من المادة الخام والميكروبات والبيئة والوقت، وأشارت إلى أن التخمير العفوي التقليدي ينتج تنوعاً كبيراً يصعب توحيده صناعياً، فيما تحاول التقنيات الحديثة فهم المجتمعات الميكروبية والمواد التي تنتجها بصورة أدق.
وهذا يفسر لماذا لا يمكن وضع كل طعام مخمر في صندوق صحي واحد.
فالخبز المخمر طعام مخمر، لكن الميكروبات لا تبقى حية بالضرورة بعد الخَبز، والنبيذ مخمر، لكن وجود التخمير لا يجعله غذاءً صحياً، وبعض المخللات التجارية تُصنع بالخل لا بالتخمير الميكروبي، وبعض المنتجات تُبستر بعد التخمير، فتتغير طبيعتها الميكروبية، أي أن كلمة «مخمر» تصف عملية، لا شهادة طبية.
وفي دراسة سريرية منشورة في European Journal of Clinical Nutrition في يونيو قارنت تأثير الساوركراوت الطازج والمبستر على مؤشرات مرتبطة بالالتهاب، وانطلقت أصلاً من حقيقة أن الادعاءات الصحية حول الأطعمة المخمرة أكثر اتساعاً من قاعدة الأدلة المتوفرة.
الباحثون أنفسهم أكدوا أن الدليل العلمي على كثير من المنافع المقترحة ما زال محدوداً، وهذه ملاحظة ضرورية لأن «الميكروبيوم» أصبح كلمة تسويقية قوية.
فمجرد احتواء الطعام على بكتيريا لا يعني أن هذه البكتيريا ستصل إلى الأمعاء حية، ولا يعني أنها ستستقر فيها، ولا أن استقرارها ضروري كي يكون للطعام أثر، فقد تنتج الميكروبات أثناء التخمير أحماضاً ومركبات أخرى تغير الغذاء قبل أن نأكله، وقد تكون الفائدة من المنتج النهائي لا من إقامة البكتيريا داخلك.
كما أن مصفوفة الطعام مهمة، فدراسة نشرت في 26 سبتمبر على نماذج حيوانية وجدت أن نوع المصفوفة الغذائية المخمرة يؤثر في استجابة ميكروبيوم الأمعاء، وهي نتيجة تدعم فكرة أن الحديث عن «البكتيريا النافعة» وحدها تبسيط شديد.
فاللبن ليس كبسولة بكتيريا، والملفوف ليس ناقلاً محايداً، فالدهون والألياف والبروتينات والأحماض والملح والمواد النباتية كلها جزء من التفاعل.
ومن هنا نفهم لماذا كان التخمير في الأصل تقنية حفظ قبل أن يكون منتجاً للصحة.
فلم يكن الإنسان يعرف شيئاً عن الميكروبيوم عندما اكتشف أن الحليب يستطيع أن يصبح لبناً، وأن الملفوف يستطيع أن يبقى صالحاً فترة أطول إذا تغيرت بيئته الميكروبية.
فالتخمير كان نوعاً من التعاون غير المقصود مع الكائنات الدقيقة، لكننا نقدم السكر والحرارة والوقت، وهي تغير البيئة بحيث تصبح أقل ملاءمة لبعض الميكروبات الضارة وأكثر ملاءمة لمجتمع آخر.
لكن العملية التقليدية ليست خالية من المخاطر، ولهذا تهتم الصناعة بالتوحيد، فالمنتج الذي تصنعه الجدة في البيت بخبرة طويلة قد يتغير من دفعة إلى أخرى، بينما الشركة التي تبيع مليون عبوة تحتاج إلى طعم وسلامة متوقعين.
وهنا يحدث صراع جميل بين التنوع والسيطرة، فالتخمير التقليدي غني لأنه مجتمع معقد، والصناعة تريد أن تعرف من يعيش في هذا المجتمع وماذا يفعل.
تقنيات دراسة الجينات والبروتينات والمستقلبات أصبحت تسمح للباحثين بمتابعة هذه العلاقات بدقة أكبر، وربما تصميم مجتمعات ميكروبية تؤدي وظيفة معينة بصورة أكثر استقراراً، لكن الطعام ليس مختبراً فقط.. فله ذاكرة.
فالكيمتشي ليس مصدر بكتيريا بالنسبة إلى الكوري، كما أن اللبن ليس مجرد وسيلة لتحسين الهضم في بلاد الشام، والمخلل ليس مكمل غذاء في العراق أو مصر، وتحويل هذه الأطعمة إلى لغة صحية فقط يفقدها جزءاً من معناها.
وهناك مفارقة ثقافية، فعندما يصبح طعام قديم موضة في الغرب، قد يعود إلى أهله في عبوة صغيرة وسعر مرتفع وادعاءات لم يحتاج إليها كي يبقى آلاف السنين.
فالعلم يستطيع أن يشرح بعض الفوائد، لكنه لا يحتاج إلى إعادة اختراع الطعام.
كما أن الإفراط ليس فضيلة، فكثير من الأطعمة المخمرة قد يحتوي مستويات مرتفعة من الملح، وهو أمر مهم لمن يحتاج إلى الحد من الصوديوم، وبعض المشروبات المخمرة قد تحتوي السكر أو الكحول، وبعض الأشخاص لديهم ظروف صحية تجعل نصائح عامة غير مناسبة لهم، لذلك فإن أفضل طريقة للتعامل مع موجة الأطعمة المخمرة هي الفضول لا العبادة.
كما ان العلم نفسه يبدو متجهاً إلى موقف أكثر نضجاً، فالسؤال لم يعد «هل الطعام المخمر مفيد؟» وكأن كل الأنواع متساوية، بل أي طعام، وبأي ميكروبات، ولأي شخص، وبأي كمية، وما المادة الفعالة، وهل الأثر مستمر.
هذه أسئلة أقل إثارة للإعلانات وأكثر فائدة للمعرفة.
فالتخمير واحد من أقدم أشكال التكنولوجيا البشرية، لكنه يذكرنا اليوم بشيء حديث جداً، فالطعام ليس مجموعة سعرات فقط، بل نظام حي أو كان حياً، وفيه تفاعلات لا نزال نتعلم كيف نفهمها، وربما كانت الجدات محقات في الاحتفاظ بالمرطبان، لكن ليس للأسباب كلها التي يكتبها المؤثرون على العبوة.