بيروت - سدن
لم تكن الضربة الإسرائيلية التي قتلت حسن نصر الله في 27 أيلول 2024 نهاية رجل قاد حزب الله لأكثر من ثلاثة عقود فحسب، بل بداية انكشاف مشروع سياسي وعسكري بنى نفوذه على فائض القوة، وأتقن تحويل الحروب إلى انتصارات خطابية، قبل أن تنتهي مغامرته الأخيرة إلى نتائج عجز خلفاؤه عن تبريرها أو احتوائها.
فالرجل الذي أعلن (حرب الإسناد) بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023، معتقداً أنه يستطيع إشغال إسرائيل بجبهة محسوبة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، وجد نفسه أمام حرب مختلفة عن تلك التي اعتاد إدارتها، ولم يكن الخطأ في تقدير حجم الرد الإسرائيلي وحده، بل في الاعتقاد أن قراراً بهذا الحجم، يتصل بمصير بلد كامل، يمكن أن يبقى حكراً على قيادة تنظيم مسلح، دون تفويض من الدولة اللبنانية أو اعتبار كافٍ للكلفة التي سيتحملها السكان.
فمنذ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، ثم حرب تموز 2006، نجح نصر الله في صناعة صورة القائد الذي لا يُهزم، مستعيناً بآلة إعلامية ضخمة وقدرة استثنائية على مخاطبة جمهوره، وحتى عندما اعترف بعد حرب 2006 بأنه لم يكن ليتخذ قرار أسر الجنديين الإسرائيليين لو علم بحجم الرد، استطاع أن يحافظ على رواية (النصر الإلهي)، وأن يحول الدمار والخسائر إلى جزء من سردية الصمود.
لكن ما نجح في تسويقه عام 2006 لم يصمد في حرب الإسناد، فقد تعرض الحزب لاختراقات أمنية غير مسبوقة، بلغت ذروتها في تفجيرات أجهزة البيجر والاتصال واغتيال قيادات عسكرية بارزة، قبل أن تصل إسرائيل إلى نصر الله نفسه داخل مقره المحصن في الضاحية الجنوبية.
وكشفت تلك العمليات، أن التنظيم الذي بالغ في استعراض قدراته الأمنية والعسكرية، لم يكن قادراً على حماية قيادته من خصم يمتلك تفوقاً استخباراتياً وتكنولوجياً حاسماً.
وبحسب تحقيقات نشرتها وكالة (رويترز) عقب اغتياله، فإن الاختراق الإسرائيلي لبنية حزب الله كان أعمق مما أظهرته المواجهات السابقة، فيما أفضت الضربات المتلاحقة إلى إضعاف منظومته القيادية والعسكرية.
وهكذا انتهت المغامرة التي بدأت تحت عنوان إسناد غزة، إلى حرب دفع لبنان أثمانها، دون أن تحقق الهدف المعلن بوقف العمليات الإسرائيلية في القطاع.
ولعل المفارقة الأكثر قسوة أن نصر الله رحل قبل أن يواجه جمهوره بالنتائج النهائية لقراره، فلم يكن مضطراً إلى شرح أسباب قبول الحزب لاحقاً بوقف إطلاق النار، أو الإجابة عن مصير آلاف العائلات التي فقدت منازلها ومصادر رزقها، أو تفسير الفارق الهائل بين الوعود التي سبقت الحرب والواقع الذي أعقبها.
لقد ترك هذه المهمة لخليفته نعيم قاسم، الذي ورث حزباً أضعف، وظروفاً إقليمية أكثر تعقيداً، وجمهوراً لم تعد تكفيه البلاغة السياسية لتعويض خسائره.
ومع حلول الذكرى الثانية لاغتياله، في أيلول الماضي، أظهرت الحشود التي شاركت في إحياء المناسبة أن نصر الله لا يزال يحتفظ بمكانته الرمزية لدى أنصاره، غير أن الحضور الشعبي لا يغير حقيقة تراجع قدرة الحزب على فرض المعادلات التي اعتادها، ولا يعيد إليه القيادات التي خسرها أو النفوذ الذي تآكل خلال الحرب.
وتتجلى الأزمة بصورة أشد داخل البيئة الاجتماعية للحزب، فبعدما كان نصر الله يعد جمهوره بإعادة الإعمار والتعويضات، باتت القيادة الجديدة تتحدث عن برامج إيواء ومساعدات مرتبطة بالإمكانات المتاحة، ونقلت (رويترز) عن مصادر مطلعة استمرار الدعم المالي الإيراني لعائلات نازحة، في مؤشر إلى حجم الاحتياجات التي خلفتها الحرب، وإلى اعتماد الحزب المتزايد على طهران في معالجة تداعياتها.
أما سياسياً، فقد فقد حزب الله بغياب نصر الله، الشخصية التي جمعت بين القيادة التنظيمية، والعلاقة المباشرة بإيران، والقدرة على إدارة التوازنات اللبنانية، ولم يتمكن نعيم قاسم، حتى الآن، من إعادة إنتاج ذلك الدور، في وقت يواجه فيه الحزب ضغوطاً متزايدة لحصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء ازدواجية القرار العسكري، التي جعلت لبنان عرضة لحروب لم تقررها مؤسساته الدستورية.
والحال أن نصر الله لم يكن ضحية مغامرته الأخيرة وحده؛ فقد كان أحد صناعها الأساسيين، وبينما استطاع لسنوات أن يقنع جمهوره بأن امتلاك السلاح يمنح لبنان الحماية، جاءت الحرب الأخيرة لتكشف أن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة حسن استخدامها، وأن القدرة على فتح جبهة عسكرية تختلف تماماً عن القدرة على التحكم بنهايتها.
بعد عامين على اغتياله، لم تختفِ أسطورة نصر الله من ذاكرة أنصاره، لكنها فقدت كثيراً من مضمونها السياسي والعسكري، فالحزب الذي كان يتحدث باسم محور إقليمي واسع أصبح منشغلاً بإعادة ترتيب صفوفه، والجمهور الذي اعتاد انتظار خطابات النصر بات يستجدي التعويضات والعودة إلى المنازل.
وربما كان أكثر ما أنقذ صورة نصر الله لدى أنصاره أنه لم يعش ليرى الحصيلة الكاملة لمغامرته، فقد رحل قبل أن يضطر إلى تكرار عبارته الشهيرة (لو كنت أعلم)، لكن لبنان الذي دفع ثمن قراره لم يعد بحاجة إلى سماعها مرة أخرى.